الانتفاضات العربية .. الأزمة والطريق .. بقلم: د. أحمد الخميسي
في الستينيات وحتى سبعينيات القرن العشرين كان هناك مشروعان، أو برنامجان سياسيان مطروحان على شعوب العالم الثالث: التحرر القومي من الاستعمار كما في نموذج جمال عبد الناصر وكاسترو، والاشتراكية كما تحققت أساسا في النموذج السوفيتي. وقد جرفت مياه كثيرة أسس المشروعين، فلم يعد من الممكن الآن أن تثير حماسة أحد بالحديث عن الاشتراكية بصفتها برنامجا ومشروعا بينما تغض النظر عن دراسة جوانب الضعف التي أدت لانهيار التجربة والمشروع. ومن دون مراجعة شاملة نزيهة للتجربة الاشتراكية لن تصبح الاشتراكية مرة أخرى برنامجا يتبناه الناس، على حين لا توجد إلى الآن قوى – حتى على المستوى الفكري- قادرة على تلك المراجعة لاستخلاص الزهرة من الطين. من هم القادرون على عمل فكري نظري كهذا؟ لسنا نحن، لأن نظرة على تاريخ تطورنا تبين أن النظريات الفكرية والفلسفية التي ساعدت على تطور شعوب العالم الثالث جاءت كلها من أوروبا: الوجودية والماركسية والوضعية المنطقية وغيرها، كما جاء البرلمان إلينا من الخارج، والسينما، وشكل القصة والرواية وفكرة وصياغة الدستور وغير ذلك. ومن ثم فإن تجديد أو احياء أو العثور على برنامج سياسي واقتصادي للانتفاضات مرتبط إلي حد كبير بظهور مجموعة من المفكرين الأوربيين القادرين على حل معضلات المشروع والبرنامج اللازمين للانتفاضات، خاصة أن أزمة الاستغلال غير قاصرة على العالم الثالث لكنها أزمة عالمية. وتتضاعف صعوبة العثور على مشروع أو برنامج بالنسبة لنا نظرا لطبيعة النخب السياسية التي يقتصر نشاطها في ظل الحصار على التنوير وتفادي الصدام. لذلك كله فإن الانتفاضات تظل تنزع القبعة عن رأس النظام بينما يظل النظام بكامل صلاحيته، طالما أنه ما من برنامج اقتصادي، اجتماعي، محدد، قادر على مواجهة الهيمنة الرأسمالية العالمية مشكلة شعوب العالم الثالث وشعوب أوروبا أيضا. لكن المؤكد أنه كلما اشتدت الضغوطـ وتوالت الانفجارات فإن الطبقات الشعبية ستقرأ صفحة وراء صفحة دفتر برنامجها مهما بدا الطريق غارقا في الضباب، وستعثر على حروف ذلك البرنامج برغم الثمن الباهظ لتعلم القراءة، لكن ليس أمام الناس سوى عبارة جلال الدين الرومي: ” عندما تقرر أن تبدأ الرحلة سيظهر الطريق”.
ahmadalkhamisi2012@gmail.com
No comments.
