«البريكست» والسودان .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد
ويأتي توجه بريطانيا إلى أفريقيا بمثابة عودة ضرورية بعد تراجع الدور البريطاني في القارة عقب استقلال بلدانها. صحيح، بريطانيا أصلا لم تجفف تواجدها في القارة، لكنه ظل تواجدا محدودا، نسبيا، مقارنة بالتواجد المتزايد لفرنسا والصين والهند وروسيا. ولقد شهدنا خلال العقدين الأخيرين تنافسا محموما تجاه القارة الإفريقية من أجل الحصول على ميزة تفضيلية للوصول إلى أسواقها ومواردها، بما في ذلك الأرض، أو من أجل ترسيخ نفوذ سياسي، عن طريق توظيف الأدوات الاقتصادية والعسكرية والقوى الناعمة. ولعل هذا التنافس يفسر مبادرات كل من الصين والهند وروسيا، ومؤخرا بريطانيا، في استضافة لقاءات قمة مع زعماء القارة الإفريقية، وكذلك جولات قادة الولايات المتحدة في عدد كبير من البلدان الإفريقية، بهدف ترسيخ وتعزيز التواجد السياسي والاقتصادي لهذه الدول مع القارة. بالطبع، يمكن لبعضنا الارتياب في هذا التوجه من جهة أن التاريخ القديم، قبل خمسة قرون، يحدثنا عن تجارة تصدير العبيد إلى الغرب، والتاريخ الحديث يحدثنا عن سياسات فرض التبعية، وسياسات استنزاف القارة الأغنى في العالم، أي سرقة مواردها الطبيعية، وكذلك تفريغها من أفضل كفاءاتها وأكثرهم تعليما وموهبة، في علوم الطب والإلكترونيات والهندسة والفنون والإدارة والبحث، والأدب…الخ، يجذبهم الغرب بتوفير ظروف معيشية واعدة وفرص ذهبية لتطوير الذات، تاركين وراءهم فراغا يصعب تعويضه. ونحن كثيرا ما نشير إلى تعثر مشروع النهضة الإفريقية في ظل تمكن أنظمة التبعية في القارة عبر الاستبداد والطغيان وما أفرزته من صراعات عرقية دموية، وتجاهل لأولويات التنمية، وتفشي الفقر والجوع والمرض والفساد، والتواطؤ مع سارقي ثروات القارة، وتغذية البيئة الطاردة لشباب أفريقيا وأدمغتها.
كما أن إضفاء صيغة الجامعية على شكل هذا التعاون، ربما ينزع عنه سوء النية فيما يخص عدم التوازن لصالح أحد الطرفين في العلاقات الثنائية. لكن الأهم من ذلك، هو أن أفريقيا اليوم أصبحت حاضرة في المشهد الدولي وفارضة نفسها على خارطة الاقتصاد العالمي، بطريقة تفرض على الأطراف الأخرى إعادة النظر في توجهاتها، وشكل تعاونها، بما يحقق مصلحة متكافئة للطرفين، دون استغلال موارد القارة كما كان يحدث في السابق». هذا الواقع الإفريقي الجديد جاء ثمرة لنضالات شعوب القارة ضد استغلالها، وجسدته خطة التنمية الإفريقية 2063، والتي هي أيضا من ثمرات هذه النضالات، بما يسمح بإزالة، أو على الأقل تخفيف حدة، الشكوك في نوايا الطرف الآخر، والتوجه نحو تبيان الفرص الحقيقية، التي تخدم أجندات التنمية الإفريقية والوطنية وتعود على شعوب القارة بالنفع.
No comments.
