غربا باتجاه الشرق
الحساب والكوار أو التاريخ والفسيخ (2-4): بين يدي ملطمة الدفاع عن الشريف حسين .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
(1)
وانما كانت (الاجهزة الأمنية)، التي يقول صاحبي انها طاردت الشريف، يومذاك مجرد كيان هلامي تحت التأسيس شرع في انشائه المرحوم الرائد فاروق عثمان حمد الله الذي تولى لتوه وزارة الداخلية. وكانت نواته مجموعة من اعضاء الحزب الشيوعي الذين انحازوا للانقلاب تحت إمره السكرتير التنظيمي ومسئول الامن في الحزب المرحوم معاوية ابراهيم سورج، وقد استغرق انشاء جهاز جديد للامن العام عدة اشهر بعد ذلك التاريخ.
ولا معني للقول بأن شهادة الدكتور الكارب مردودة بسبب من أن لقاء المرحوم بابكر كرار بالشريف حسين في ذلك الوقت مما يستهجنه العقل، لأنه لم تكن له (علاقة عضوية) بالحزب الاتحادي الديمقراطي، كما يزعم مُناظري. يا ألطاف الله! من الذي قال اصلا بأن الشريف كان يشترط في معارفه واصدقائه ان تكون لهم (علاقة عضوية) بحزبه؟ وأنا لا أجد في هذه الدعوى ما (يزلزل) ، بل أرى فيها العجب العجاب بعينه. المنطق يقول ان الشريف حسين كان يبحث عن حلقة وصل مع قائد الانقلاب جعفر النميري، ولما كان يعلم عن صلة بابكر كرار بجعفر نميري ذهب اليه ليبعث بالرسالة عن طريقه. وليس صحيحا بالطبع ما يزعمه صاحبنا من ان بابكر كرار كان يبحث عن الشريف. العكس تماما هو الصحيح، فالشريف هو الذي كان يبحث عن بابكر كرار، حتى كان اللقاء في منزل الدكتور زكي مصطفى بحي المطار بالخرطوم!
في القانون على المدعي اثبات دعواه أمام القاضي عملا بالحديث النبوي المذكور في حالة الادعاء بوجود حق له على خصمه. أما اذا كان ادعائه يقوم على نفي حق يدعيه خصمه فيجب عليه تقديم الدليل على ما يثبت النفي، فإن طلب المدعِي يمين المدعَى عليه فله ذلك. وهو ما عليه اجماع الفقهاء في أمر حديث البينة واليمين. أما في الشهادات التاريخية فلا يُطلب من الشاهد ان يقدم دليلا للاثبات ولا دليلا للنفي ولا ان يُقسم على يمين. وانما ينهض الى الاثبات والنفي المتخصصون من الباحثين والمؤرخين. وفي الحالة التي بين ايدينا فإن الدكتور التجاني الكارب لا يقاضي خصما، ولا يطلب شيئا لنفسه من ذلك الخصم، كما انه لا ينفي ادعاءً وقع عليه من خصم، فهو في المبتدأ والاساس ليس خصيما لأحد، حتي يكون مطالبا بابراز الدليل على دعوى او أداء القسم على المصحف الشريف، كما يطالبه حبيبنا بابكر الذي يخلط خلطا شنيعاً بين صناعة التاريخ وخصومات المتخاصمين أمام المحاكم.
وقد آذاني، وأقلقني غاية القلق، أن الاستاذ بابكر تورط في مسلك مريب معيب، خشيت ان اقول انه داهنه خبث ظاهر، أسفت له أسفا شديدا، إذ عمد الى الايحاء لقارئه من طرف خفي، خلافا للحقيقة، بأن السطرين الذين انتزعهما من مقالي القديم ووضعها بين قوسين، ثم جادل حول دقتها ونسبتها، إنما هما جزء من النصوص المحكمة التي استوردتها من اشرطة قناة الشروق المتضمنة لافادات الاستاذ سيد هارون ثم نشرتها في مقال لاحق. ويتجلي ذلك في قوله: (عندما عدتُ للإستماع لإفادة الأستاذ سيد هارون وجدتُ أنَّ الرجل لم يذكر …). وما كنت اود لهذا الحبيب ان يتورط في مثل هذا التخليط فيوحي للناس انه راجع النصوص في مظانها ووجد انني زورت وحورت في احداها ثم نسبتها الي الشاهد. وأحسب ان صاحبي يعلم علما نافيا للجهالة، كونه كاتبا محترفا، عقابيل التلبيس والتدليس في مناظرات مفتوحة كهذه.
الفارق الوحيد هنا بين حالة المغفور له الشريف حسين الهندي والامام الصادق المهدي هو ان الاخير لم يعرض على جعفر النميري تأييده ومباركته لانقلابه، ولم يطلب عزل رئيس الوزراء بابكر عوض الله كمقدمة لبذل ذلك التأييد. كما انه بالقطع لم يقل عن التجربة الديمقراطية وما تلاها من انقلاب عسكري: (ان مشكلات البلاد لم تكن لتحلها غيرالدبابة والبندقية). ولم تجر على لسانه عبارات من شاكلة: (اذا نحن فشلنا فلماذا لا نعط العسكريين فرصة).
وما زال ليلنا مع سيرة الشريف حسين طفلا يحبو.
No comments.
