السفر والفضول والتفاحة .. بقلم: شوقى محى الدين أبوالريش
قد تلاحظون أن بعض الذين نصادفهم من الحلاقين وسائقي سيارات الأجرة (التاكسي) في معظم الدول العربية والإسلامية يتدخلون فيما لا يعنيهم ويلوذون بالصمت فيما يعنيهم، أي حشريون أو قل فضوليون مع زبائنهم، رغم أن تعاليم الإسلام تنهى عن هذه السلوكيات المشينة والممارسات المؤذية لأنها انتهاك للحريات وتعدٍ على الخصوصيات. ربما تكون هناك قواسم مشتركة بين ثلاثتهم – الحلاقون والسائقون والفضول.. فيا ترى ما هي هذه القواسم المشتركة؟ بالنسبة لفئة الحلاقين، فمثلاً الحلاق حقل عمله ومحور اهتمامه هو رأس الإنسان ولذلك يكون قريباً جداً من عقل الزبون وما يدور فيه أثناء أداء عمله.. وقد تكون هناك موجات تردد وذبذبات كهرومغناطيسية منبعثة من مخ الزبون إلى مخ الحلاق فتولد عند الحلاق رغبة وجاذبية لمعرفة ما يدور في الرأس الذي تحت قبضته وتصرفه – علماً أن وقت الحلاقة هو أنسب الأوقات للتفكير العميق – وقديماً قال لي أحد الأصدقاء: “إن أحسن مكان لمحاولة الغناء واختبار صوتك هو الحمام أكرمكم الله وأفضل مكان للتفكير هو عندما تكون جالساً مسترخياً عند الحلاق”. وبهذه المناسبة قد يتذكر البعض منكم أو سمع عن الشخصية الفكاهية حلاق جامعة الخرطوم المعروف “حموده” الذي كان يوماً ما يحلق لطالب أصلع له شعيرات معدودة على جانبي رأسه مثله مثل عمك “تنقو” تماماً (وبالمناسبة هناك فرق بين الأصلع والأقرع). ولذلك انتهى من قص شعرتيه في أقل من دقيقة وقال له: نعيماً.. وعندما احتج الطالب على “كلفتته” بهذه السرعة رد عليه عمك حموده: ” إنت أصلك خالي ذهن”، ثم واصل عمله في حلاقة الزبون التالي تاركاً هذا الطالب المسكين في حيرة من رده هذا. ربما أصاب عمك حموده أو اختلط عليه الأمر بين الذهن والشعر أو قد تدخل فيما لا يعنيه. أما عم “بشتنه”، حلاقنا في مدرسة وادي سيدنا الثانوية، فقد كان يعرف كل صغيرة وكبيرة بل أدق التفاصيل عن أي طالب حلق عنده. وكان يُعتبر موسوعة أو حاسوباً في هذا الشأن.. كان لديه حب استطلاع أكثر من ذلك الذي قتل قطة “شرودنغر”.. فقد كان يسألنا كم نمرة تحصلت في امتحان الحساب؟ وكم من المصاريف ترسل لك شهرياً؟ وكم عدد أفراد أسرتك؟ وماذا يعمل والدك؟ وهكذا…كان لسانه يتحرك طوال جلسة الحلاقة أكثر من تحرك المقص الذي بين أصابعه في الفاضي والمليان لدرجة أن كثيراً من الطلاب كانوا ينفرون منه ويحلقون في سوق أم درمان بأضعاف سعر عم بشتنه الذي كان محدداً للطلاب بخمسة قروش فقط آنذاك.
شوقى محى الدين أبوالريش
No comments.
