السودانوية .. العمق الافريقي والتبعية العربية .. بقلم: د. سمير محمد علي حمد
بالرغم من هذا العمق الافريقي للهوية السودانية الا ان هنالك تنكر غير خاف من النخب السياسية السودانية لأفريقيا وثقافتها لصالح الثقافة العربية، فظلت الحكومات الوطنية المتعاقبة في السودان تهمل الثقافات السودانية الافريقية في مقابل الاهتمام بالثقافة العربية ونشرها، في شكل من التبعية والعلاقة غير المتزنة المنحازة للفضاء العربي علي حساب حضنها الافريقي. في رأي ان هذه التبعية والتوق الي الانتماء العربي قد يرجع الي مؤثرات منها ما هو تاريخي وما هو سياسي او اجتماعي:
ما يستدعي الدراسة المتأنية في مسار الحضارة السودانية، هو كيف لحضارة ترجع نشأتها لحوالي العام 7500 ق.م وقد بلغت اوج توهجها وتوسعها في عهد مملكة مروي (920 ق.م – 325 م) ان تصبح تابعة لثقافة وافدة اليها في فترة متأخرة من رحلة تشكلها؟ فهذا ما حدث للحضارة السودانية القديمة بالرغم من احتفاظها بكثير من سماتها الثقافية ولغاتها المنطوقة حتي الان، كما حدث ذلك ايضا للحضارة الفرعونية في مصر والتي اختفت تماما ولم يبقى منها الا آثارها. وفي المقابل فان الجارة أثيوبيا والتي كانت اكثر قربا وارتباطا بالعرب والمسلمين تاريخيا وجغرافيا مقارنة بالسودان، نجدها احتفظت بهويتها المميزة والمستقلة. فالعلاقة بين اثيوبيا (الحبشة) والعرب، سابقة لإسلام، فقد حكم الاحباش مناطق جنوب الجزيرة العربية قبل الاسلام في الفترة من 300م – 378م وايضا في الفترة قبيل ظهور الاسلام، كما ان مسمي “الحبشة” نفسه مأخوذ من اسم احدي القبائل العربية المهاجرة الي الحبشة وتسمي “حبشة” او “حبشت”، وهنالك كثير من القبائل العربية التي هاجرت الي الحبشة وان اللغة الحبشية القديمة “الجعزية” نفسها، اكتسبت اسمها من احدي القبائل العربية المهاجرة الي الحبشة وهي قبيلة الاجاعز . [16-14] وكانت الحبشة وجهة اولى الهجرات الاسلامية في بداية الدعوة الاسلامية، وقد بلغ التوسع الاسلامي في الحبشة اوجه فيما بين القرنين العاشر والثاني عشر بظهور عدد من الامارات الاسلامية [14]، ذلك قبل خمسة قرون من ظهور اول مملكة اسلامية بالسودان. وصحب ذلك التعليم الديني الاسلامي وانتشار اللغة العربية في الحبشة. ورغم كل هذا التأثير العربي والاسلامي لقرون طويلة نجد ان اثيوبيا استطاعت الاحتفاظ بلغاتها وثقافاتها المحلية وظلت مستقلة ثقافيا وسياسيا بمنأى عن أي تبعية لجوارها العربي حتي الان.
[1]. نشوء الدولة السودانية: منظور اركيولوجي – تاريخي، الدكتور عبد الرحيم محمد خبير، مجلة دراسات افريقية, ديسمبر 2002م.
[7]. عبد الله علي ابراهيم، “التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كتب وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة : الفصل الثلاثون، ابن خلدون في خطاب الهوية السودانية”.
No comments.
