السودان: أزمات دائمة .. ونضال مُستمر .. بقلم: عادل شالوكا
فمنذ خروج المُستعمر وتركه لإرث ثقيل من الفوارق والإشكالات التى كان مقدورٌ عليها آنذاك، إلاَّ إن النُخبة التى ورثت السلطة ولغياب البصر والبصيرة، سارعت فى رعاية هذه الأزمات وتطويرها بفرض وضعية لا تختلف كثيراً عن ما كان عليه الحال، بل أسوأ، فكان عصيان توريت فى أغسطس 1955، وتلَى ذلك نشأة الأنانيا الأولى، ومن بعدها بقية الحركات الثورية المُسلَّحة إلى يومنا هذا، كتعبير عن رفض هذه الوضعية من الظُلم، والتهمِّيش، والإقصاء. فقد ورثنا من الإستعمار دولة مُفكَّكة، ومُقسَّمة الوجدان، ولا تمتلك مُقومات الدُوَل الحديثة، وشعبٌ لا يمتلك الضمير والحِس القومى نتيجة للفوارق الإقتصادية والإجتماعية التى تشكَّلت منذ الغزو التركى المصرى 1821، وعندما صعد الإسلاميون إلى السلطة فى يونيو 1989 قاموا بتأزيم الواقع المُتأزِم أصلاً، وعاثوا فى البلاد جوراً وفساداً، وأوصلوها إلى ما هى عليه الآن، ويبدو إن الشعب السودانى قد إستكان وإستسلم لهذا النظام ليعبُث به ويفعل ما يشاء، ربما هذا لتضارُب المصالح مع التغيير، الأمر الذى يجعل البعض يتواطأ مع النظام نتيجة للرسائل السالبة التى ظل يرسلها مُخاطباً بعض الكيانات الإجتماعية فى البلاد وتحريضها فى الإتجاه الخطأ. أما البعض الآخر فلا زال ينتظر حلولاً خارجية تُطيح بهذا النظام دون أن يحرِّكوا ساكناً فى إتجاه المقاومة رغم وصول عبث النظام وفساده وإستبداده إلى أقصى المراحل، حيث صار المواطنين فى المناطق المُحرَّرة يموتون بالأسلحة الكيميائية المُحرَّمة، وفى المُدن (الآمنة) يموتون لعدم توفُّر الدواء والعلاج وتردِّى الخدمات الصحية، والأطباء يضربون عن العمل فى جميع ولايات السودان والنظام يحاول الإلتفاف حول مطالبهم الموضوعية. زيادة نسبة التضخُّم وإرتفاع سعر الدولار بصورة غير مسبوقة، ويتبع ذلك إرتفاع أسعار السلع الإستراتيجية .. والإتحاد الأوربى يُطالب رأس النظام بتسليم نفسه للمحكمة الدولية، ويُطالب بإجراء تحقيق فى إستخدام الأسلحة المُحرَّمة فى جبل مرة، ويُطالب بتحقيق آخر لأحداث سبتمبر 2013، والتفاوض الجاد لإنهاء الحرب فى البلاد، بدءاً بوقف العدائيات، وتوصيل المُساعدات الإنسانية. والحكومة تُعلن إنها ستقوم بتقديم شكوى وفتح بلاغ فى مواجهة منظمة العدل الدولية لرفعها تقريراً بإستخدام الأسلحة المحظورة، وستقوم المنظمة بفضح وتعرية النظام بالأدلة الدامغة التى تُؤكِّد إستخدامها لهذه الأسلحة. ومؤتمر الحوار (الوطنى) ينتهى بقاعة الصداقة بلا وطنية، وبلا نكهة، ولا طعم، ولا رائحة، وبدون جديد، وبمشاركة قوى المستقبل، ومبارك الفاضل، وأبو القاسم إمام، وإدريس دبى، وفنَّانات .. وفنَّانين..!! .. وأهم مُخرجات هذا الحوار “الوهمى”، هو زيادة أسعار السلع الضرورية خاصة الوقود، وغيره من السلع التى تؤثر على حياة الناس ومعيشتهم. وطلاب الجامعات يخرجون فى تظاهرات، يندِّدون بهذه الزيادات .. والحكومة تقول إن عدد الأحزاب المشاركة فى الحوار بلغ (99) حزباً..!!، و(34) حركة .. !! (من أين أتوا بهذه الأحزاب والحركات ..؟؟)، والمؤتمرون يجيزون (891) توصية ..!!، وعمر البشير يقول : (هذا الحوار غير مسبوق ولم يحدث فى أى دولة من الدول .. !، وإنه ناقش قضايا مسكوت عنها منذ (60) سنة (يعنى منذ خروج المُستعمر) – تحيا وتشوف ما يكفى من العجائب – وقد سبق وقال : (مافى أى حوار تانى فى الخارج .. الداير يتحاور يجى الخرطوم) ..! ، وإبراهيم محمود يقول : (بعد المؤتمر العام للحوار الوطنى يوم 10 أكتوبر تانى مافى أى تفاوض ..!). والخارجية الأمريكية تُطالب الحكومة بإعتبار الحوار الوطنى مرحلة أولى للتفاوض مع كافة الأطراف بما فى ذلك المعارضين للحوار والوصول إلى التسوية الشاملة، وتُحذِّر من تبعات هذه الخطوة الإقصائية. وأمين حسن عمر يرُد : (مافى مشكلة .. لكن ما بنسمح للحركات المُسلَّحة أو أى جهة بأن يكون ليها حق الفيتو لنقض نتائج الحوار الوطنى ..). والبشير فى خاتمة أعمال المؤتمر يعلن تمديد وقف إطلاق النار فى دارفور، وجبال النوبة، والنيل الازرق إلى نهاية العام، .. و… و … إلخ .. وعودة وشيكة للصادق المهدى إلى الخرطوم ..!! .. البعض يرى إنها مسألة شخصية .. وآخرون يرون (إن حزب الأمة هو الذى يُحدِّد عودته أو بقائه فى الخارج) .. والبعض الآخر يرى إن عودتهِ ستُعجِّل بعودة المُعارضون لمُخرجات الحوار (قوى نداء السودان) إلى الخرطوم، والتوقيع على هذه الوثيقة (كسِر رقبة) .. لا تعليق لدينا على هذا .. فلقد تناولنا مواقف الصادق المهدى بإسهاب فى كتابنا (المناطق المُهمَّشة فى السودان : كفاح من أجل الأرض والهوية). فقط نقول : إن كل شىء جائز فى بلاد لا تمتلك نُخبتها حتى الآن رؤية واضحة، أو إرادة لحل أزماتها، حيث يختلط لديها (التكتيكى، والمرحلى، والإستراتيجى) .. لنرى ما ستحمله الأيام المُقبلة فى هذا الشأن. فى نهاية المطاف ستبقَى الأوضاع كما هى، وستُزداد المُعاناة والأزمات، وسيكسب النظام وقتاً “بدل ضائع”، ويُمدِّد سنوات بقائهِ فى السلطة فى محاولة لحماية رموزهِ وإفلاتهم من العقاب والمُحاسبة.
لا توجد تعليقات
