الصَّادق المهدي.. تجلِّيات زعيم طائفي (9) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
وكما أشرنا آنفاً فإنَّ أكبر خطأ سياسي ارتكبه الصَّادق المهدي وهو ما يزال يعاني من مضاعفاته هو توليه رئاسة حزب الأمة؛ إذ لم يطق صبراً حتى بلوغه عامه الثلاثين، وهي السن القانونيَّة التي تتيح له عضويَّة البرلمان، وشغل مقعداً وزاريَّاً. إذ سرعان ما أرسل الرُّسل إلى رئيس الوزراء الرَّاحل محمد أحمد محجوب يطلب منه الاستقالة حتى يخلي له مقعده في الجهاز التنفيذي. ومن ثمَّ اندلع نزاع انتهى باستفحال الخلاف بين الصَّادق وعمَّه الإمام الهادي عبد الرجمن المهدي. غير أنَّ الصَّادق نجح في تولي رئاسة الوزراء في 26 تموز (يوليو) 1966م، لكن رئاسته لم تدم أكثر من تسعة أشهر كما تنبَّأ له محمد أحمد محجوب، وبقي في المعارضة حتى وضع العقيد حينذاك جعفر محمد نميري حدَّاً للدِّيمقراطيَّة الثانية في البلاد.(48) ونستطيع أن نزعم – في غير كبير تحرُّج – أنَّ الأقدار التي وضعت هذا الشاب الصَّادق في هذا الوسط بطبيعة حداثته، والغرارة وقلَّة التجربة، وعدم القدرة على التبصُّر ورؤية العواقب، كانت وبالاً على البلاد. فقد حسب الصَّادق، والذي امتثل شاباً غضَّاً، أنَّه قد تمرَّس بشيء من أعمال الدولة بنشأته إلى جوار أبيه رئيس حزب الأمة وجدِّه راعي الحزب، ما يكفي لإدارة شؤون بلد كالسُّودان.
وأدرك بكر بن حمَّاد أنَّ الرئاسة تغاير النَّاس إلى ما لا ينفعهم، بل يفرِّقهم حسب آرائهم وأهوائهم، ومن ثمَّ طفق يقول:
أما أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد المعروف بابن عبد البرِّ فقد ذهب أكثر من ذلك حين نعت حبَّ الرئاسة بالمرض الذي يحلق الدنيا، ويفضي بالمحبِّين إلى الحرب من أجل إحقاق الحق، ويفرى الحلاقيم ويقطع إيصال الأرحام حتى لا تبقى بين النَّاس المروءة أو الدِّين. ومن ثمَّ استطرد قائلاً: ومن يترأس النَّاس وهو جاهل أو قبل بلوغ الحلم تألفه عدوَّاً لأهل الحق، فتجده يشنِّع العلوم، ويمور أهلها حسداً وبغضاً، حتى يجد نفسه في مرتبة أعداء الأنبياء، وحينئذٍ أنشد في هذا المعنى:
وبالتأكيد كان هناك من الرِّجال من أبصر الصَّادق بما ينبغي أن يأخذ نفسه به، ليعتصم به مما عسى أن يتربَّص به في هذه الغمرة التي يخوضها، وفي مثل هذا الذي كان هو مقبلاً عليه من شؤون الدولة وملابسة السلطان، وفي مثل ذاك المنصب الذي أُسند إليه، أو بالأحرى طلبه طلباً، وسعى إليه سعياً حثيثاً. وكان أوَّل النَّاصحين له من الرِّجال محمد أحمد محجوب – كما ذكرنا سلفاً – بثاقب بصيرته، وكان ما وجَّهه له النَّاصحون من النصيحة النصوح، هو توقي ما تجره إليه هذه الغرارة، لأنَّه بطبيعة حداثة سنِّه غير مقدِّر لتبعاتها. فقد عزَّ على المحجوب أن يدع الشاب الصَّادق وشأنه، ورغب في أن يؤدِّي واجب النُّصح له، قياماً بحقه عليه، وهو قبل كل شيء وبعده عضوان في نفس الحزب حزب الأمة مهما احتفر له الصَّادق المحافر. هذا، فقد أراد المحجوب أن يؤدِّي بالنصحية إيَّاها حق التناصح إلى شاب لم يتمرَّس بأسباب الحياة – ولئن تمترس بجلابيب السُّلطة – ليجنِّبه ما تورِّطه فيه غرارة الشباب من مزالق. وعندما أدرك المحجوب أنَّه ليس من اليسر بحيث يكفي ما هو آخذ فيه ليحول بين هذا الشاب وبين ما هو متعرِّض له، تركه وشأنه. مهما يكن من أمر، فحينما طُرِح صوت الثقة في حكومة الصَّادق المهدي في 15 أيار (مايو) 1967م، وقف معه صهره الدكتور حسن الترابي. كان الصَّادق “آنئذٍ في عنفوان شبابه، وتمرُّده على القديم، حتى رماه كثيرون باليساريَّة، خصوصاً عندما كان يهاجم رئيس الوزراء الرَّاحل محمد أحمد محجوب، ويصفه بأنَّه رجعي.”(49)
كذلك امتاز الصَّادق بالتردُّد في اتِّخاذ القرارات الحاسمة، وإنَّه لم يبل بلاءً حسناً على الصعيد الإداري، ويتَّهمه غيره بأنَّه ديكتاتور مدني. ففي فترة الدِّيمقراطيَّة الثالثة (1985-1989م) امتعض السُّودانيُّون من التعويضات التي سمح بها الصَّادق لآل المهدي والقصاص لعمِّه الإمام الهادي؛ إذ أنَّ مشكل الصَّادق الأساس في هذا المنحى أنَّه كان أكثر استجابة دوماً للاعتبارات الضاغطة في حزبه وفي كيانه الأنصاري عموماً، وفي بيت المهدي خصوصاً. بيد أنَّ التعويضات التي سمح بها الصَّادق لآل المهدي، وترك االذين شاركوا معه في الأحداث العسكريَّة في تموز (يوليو) 1976م دون تعويض هو قمَّة الظُّلم، وكان كل المقاتلين الذين جاءوا من معسكرات الجبهة الوطنيَّة المعارضة في ليبيا من مواطني غرب السُّودان، ولكي يضاف هذا الخذلان المبين لسجل الصَّادق في تهميش أهل الهامش. إذ أنَّ في هذا استئثار الأهل والإساءة في الأثرة، وظلم الأغيار والإساءة في المظلمة. ومع ذلك، كان يتفاءل الصَّادق ويعتقد أنَّ للتأريخ اتجاه، وفي هذا المنحى يتَّجه التاريخ نحوه إيجابيَّاً، دون أن يتبصَّر العواقب. فالنهايات بلا شك تؤذن ببدايات لأشياء أخرى، وليست هي بأخرة في شيء. أما إذا اعتقد المرء أيَّاً ما كان أنَّ النهاية هي النهاية، لكان قد أمسى هذا الأمر نهاية التأريخ، ولم يبق للعالم من شيء، ولذلك قيل إنَّ التأريخ ليعيد نفسه، وقد تكون هذه الإعادة قاسية، وليس بالضروة أن تكون حسنة. إزاء هذا المفهوم التأريخي الأزلي تمَّت الإطاحة بحكومة الصَّادق المهدي للمرة الثانية العام 1989م، وهو كان يعلم أنَّ الجماعة الجبهجيين يئتمرون يودون عزله.
No comments.
