الفن الجسدي عند النُّوبة .. التجسيد الجمالي والوظيفي .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
إنَّ أغلب دارسي الفنون التقليديَّة – من المنظور العام – ينطلقون في مناهجهم الدِّراسيَّة التحليليَّة في سبيل دراسة هذه الفنون القبليَّة لأي مجتمع من المجتمعات من منظور المنهج الوظيفي. إذ تشير هذه الدِّراسات إلى أنَّ الفن الابتدائي أو الأولي – لئلا نقول البدائي، وذلك لما تحمله هذه الكلمة من استحقار واستخفاف – ينطلق من استطلاع منفصل، وليس من أجل استجابة إبداعيَّة لحظيَّة، ثمَّ إنًّه لم يُبتكر لينتج أوهاماً ترفيهيَّة كما يمكن أن يعتقد بعض النَّاس أو ما قد يبدو لهم. ومن أشكال هذا الفن الابتدائي الوشم على الجسم، أي الفن الجسدي عند النُّوبة مثلاً. إذاً، فإنَّ هذا الفن الابتدائي هو أداة عمليَّة للعمليَّة الهامة في سيرورة الحياة اليوميَّة التي يحياها الإنسان في الرقعة الجغرافيَّة والإطار التأريخي الذي عاش، ويظل يعيش فيه، مع بعض الاختلافات والتحديثات التي قد تطرأ عليه بين الفينة وأخرى، وذلك بتغيُّر الزَّمان، وتبدُّل أحوال النَّاس بفضل العلم والتَّعليم والهجرة والتمازج مع الثقافات الأخرى سواء أكان في الحيز المكاني المجاور، أو من قبل الوافدين الجدد، أو الآيبين الذين عادوا إلى ديارهم بعد أن قضوا ردحاً من الزَّمان خارج المنطقة. فالثقافة تتماهى مع نظريَّة النشوء كالإنسان. إذ إنِّها لتتوالد وتنمو وتتطوَّر، فتتدرَّج في علو متى ما واظب القائمون عليها على التتابع والاستمرار، وتنحط في الأفول في التخلِّي عن استعمالها أو استهلاكها.
يُعرف الوشم عند الغرب بكلمة (Tattoo)، وهو نمط من أنماط التعبير الجسدي عن شيء ما، حيث يُوضع تصميم محدَّد عن طريق إدخال الحبر أو الصبغة، حتى يمسي مستديماً أو يبقى مؤقتاً في السَّطح العلوي للجلد، وذلك لإحداث تغيير لوني. إذ يمكن تقسيم صنوف الوشم إلى ثلاثة أنواع: تجميلي خالصاً ودون معنى محدَّد؛ ورمزي بمعنى محدَّد، أي ذلك الذي يعني شيئاً كثيراً لصاحبه؛ ثمَّ صوري وهو النمط الذي يبرز صورة شخص أو شيئاً ما. وينظر إلى صاحب الوشم عند أهل الغرب بشيء من الاستحقار المبطن على أنَّه إنسان غير حضاري؛ وفي المائة عام الماضية ارتبط الوشم عندهم بالبحَّارة والعمال والمجرمين. أما في القرن العشرين فقد بات الوشم في العالم الغربي مقبولاً إلى حدٍ ما، وأخذ يرتاده أو يقبل عليه أناس من جميع الفئات والمستويات في المجتمع الغربي.
إنَّ شعب النُّوبة كغيره من الشُّعوب الإفريقيَّة الأصيلة الأخرى لجأ إلى ابتكار أساليب ماديّة ومعنويَّة-حسيَّة في حياته عبر القرون، وسرعان ما أخذت هذه الأساليب مناحياً وظيفيَّة كأسلوب دفاعي مثل الحماية ضد الاسترقاق حيناً، أو ترهيب الخصم في المصارعة التنافسيَّة حيناً آخر، أو للأغراض الجماليَّة حيناً ثالثاً. واهتمَّ دارسو الإناسة في مجتمعات النُّوبة، أو الرحَّالة الذين زاروا المنطقة، بالجانب الأثنوجرافي والمادة التَّصويريَّة أكثر من التوغل في الدوافع الثقافيَّة والنفسيَّة والطقوسيَّة التي دفعت هؤلاء المواطنين النُّوبة إلى الابتداع والتمسُّك بهذا الفن التقليدي في صورته الماديَّة والرمزيَّة، حتى جاء بعض أعمالهم آخذاً طابع التقمُّص العاطفي، وذلك قبل ظهور دراسة الدكتور فارس التحليليَّة.
No comments.
