المفسـدون في الانتقالية .. بقلـم: عمـر العمـر
مقارباتنا الخاطئة المتنوعة للمرحلة الانتقالية تشكل ، يا للمفارقة، أبرز محاور إجماعنا النادرة. بعضُ ينظر إلي المرحلة إنتقالاً حراً من الثيوقراطية إلى اللبرالية. بعضٌ يراها مربعاً ديمقراطيا متكاملاً. فريقُ ثالثٌ يتعامل فيها بمثابة إمتداد للنظام الاستبدادي السابق. لهذا ينداح إبانها الإشتباك والتباين وتتسع دوائر تصادم الرؤى فترتبك الخطا، تتباطأ أو تتعرقل. مالم نجمع على رؤية غالبة تؤطر فهمنا للمرحلة الإنتقالية فإننا لن نعبرها بسلام. فالمرحلة الإنتقالية هي جسر بين العهد المدان المرفوض والزمن الجميل المأمول. هي بداية التوغل في فعل الثورة لكنها ليست كل الثورة. فالثورة هي مراكمة الإنجازات على سكة التقدم الوطني عبر مراحل متعددة.
إذا كان نجاح ممارسة الديمقراطية نفسه يعتمد على فن إدارة الخلافات عبر التراضي فإن أكثر شروط نجاح المرحلة الإنتقالية يتمثل في توفر إرادة ممارسة ذلك الفن الطوعي. فالمرحلة الإنتقالية هي موسم بذر تلاقح الأفكار وغرس فسائل الروح الوطنية المثمرة بالتسويات المستنيرة. لهذا لامجال في المرحلة الإنتقالية للمتمترسين في خنادق الماضي، للمتسلحين بإملاءات الشروط ، للمتأبطين أجندة لا تخضع للتداول والملوحين بخيار القبول أو الإنسحاب أو المتكئين على غلبة لايسندها حق أو باطل. فالغلبة الديمقراطية تحسم عبر صناديق الإقتراع في موعد لم يأت بعد.
أحد أكبر أخاديد مرحلتنا الإنتقالية ليس فقط في تشظي أُطرنا الحزبية التقليدية، بل كذلك في المتقحمين المتخذين من مداهنة السلطة وسيلة لكسب العيش،” المؤلفة جيوبهم”. مثلهم كذلك متسلق وقاطرة الثورة بعد الساعة الخامسة والعشرين بعتاد عسكري وتذاكر جهوية وقبلية بالية زادهم أجندة مريرة يحسبونها فيتوهات غير قابلة للنقض. من هؤلاء من يحاجوننا باسم حقوقهم الوطنية للذهاب في أزقة نتنة متعرجة تستنزف الجهود وتفضى إلى أنفاق عتمة. من هؤلاء من هم معصوبو الأبصار والبصائر مشحونة قلوبهم بأحقاد وثارات موهومة الناطقون بخطاب سياسي موتور ينز عصبية قبيحة.
على القيادات الوطنية مستهدفة إرساء أوتاد السلام إلقاء السلاح التجرد من الأسمال العتيقة الأزياء العسكرية والإقبال على العمل السياسي السلمي بنهم لمستقبل مجيد. من حق المقاتلين الخارجين من تحت غبار السهول والصحارى على تلك القيادات تعجيل تذويبهم في منظومة الدولة العسكرية؛ الجيش، الشرطة، الدفاع المدني، حرس الحدود والإستخبارات ؛ كلٌ حسب قدراته. تلك الحقوق والواجبات المترتبة على إتفاق السلام تملي على كل مواطن غيور واجب إعلاء البناء على الأبنية القائمة . بالقطع لا تمنحهم حق التدمير والتعدي على المدائن بأرتالهم العسكرية وممارساتهم المنفلتة.
هولاء القادة لن يمارسوا أي قدر من المراجعة لأنهم لا يعرفون فضيلة النقد إذ دأبوا على الحوار بالبنادق. هم نصّبوا أنفسهم رسلاً جدداً لوطنية مشوهة.لا أدري لم لا تتملكهم وأمثالهم على العاصمة الوطنية غيرة المواطنين كما في أقطار الدنيا. العهد الفاشي السابق استدرج الخرطوم إلى هاوية الترييف عبر مظاهر متباينة عمدا مع سبق الإصرار منها مصادرة الميادين العامة وسط الأحياء السكنية. في زمنهم أمست المدينة عطشى والنيل تحت أقدامها! رسل السلام الجدد يستقصدون الهبوط بها إلى درك التصحير.
مع ذلك ينبغي الأخذ في الحسبان ليس في وسع الثورة أوسلطتها بلورة حلول نهائية ناجعة لقضايانا الساخنة حاليا. كلاهما المرحلة الإنتقالية وسلطتها مثقلتان بالتناقضات أو على الأقل عدم الإنسجام . تلك التناقضات ينقلبان إلى مهدد خطير للثورة برمتها خاصة حينما تخرج القيادات بالخلافات إلى فضاء الجماهير في محاولة استقطابية. ربما على القيادات المدنية والعسكرية استيعاب إذا كان الشباب ،وقود الثورة، رفض ممارسات الأحزاب العتيقة والمستحدثة فإنهم أشد رقضا لعسكرة السياسة والدولة .على القيادات الحزبية والعسكرية هجر قناعات تعشعش في أدمغتهم بان المرحلة الحالية هي نهاية التاريخ السوداني .كما علينا تذكيرهم بأن الهبة الجماهيرية العارمة لم تنفجر في الخرطوم . بل في الدمازين وعطبرة. تلك ليست حادثة سودانية تاريخية عابرة .الثورة الشعبية في رومانيا عندما اطاحت بشاوشيسكو انطلقت من مدينة مجهولة لا يذكر العلام اسمها كثيرا؛ تيموشوار . الثورة البولونية كاسرة قمقم الحلف الشرقي لم تقدح في وارسو بل في ميناء قصي اسمه جدانسك. فأخذ الخرطوم رهينة لمن يتوهم ليس كذلك نهاية تاريخ الحركة الشعبية السودانية واهبة الدم والأرواح قرابين للحرية والعدالة والسلام.
من أخطائنا الفادحة تجاه المرحلة الإنتقالية فرضية غالبة تتبنى التصدي للقضايا للقضايا الإقتصادية دون ملامسة الأفق السياسي.هذا فهم قاصر يجزئ القضايا ملهبة الإنفجار الجماهيري العارم. مثلما هناك علاقة عضوية بين الثورة ومسبباتها يوجد تشابك بين حركة التغيير وأساليبها. الأصل في عملية الإصلاح بلورة مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة في سياق منظور الثورة. لذلك لا تستطيع السلطة مقاربة المسائل الإقتصادية خارج الرؤى السياسية بما في ذلك العلاقات مع الخارج. فإن دولة الثورة لن تستطيع إنجاز مهامها داخل حاضنة محصنة ضد التقاطعات الخارجية. تلك حقيقة ليست غائبة عن قوى الثورة بعض الفصائل تفسر كل خطوة تتشابك مع الخارج عبر رؤاها الحزبية الضيقة ليس في سياق المصلحة الوطنية العريضة.
لا توجد تعليقات
