الهُويَّة والنِّضال في سبيل الاعتراف (2 من 2) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
إنَّ مسألة الهُويَّة في السُّودان لقديمة، وقد أثارت كثيراً من التفكير وشيئاً من الحديث في المجالس الخاصة والعامة، ولكن ليست بالصُّورة السِّياسيَّة الصَّارخة إلا بعد نشوب الحرب الأهليَّة الثَّانية العام 1983م، ومن ثمَّ أمست جزءً من أجندة الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان. هكذا صار أمرها جديراً بالعناية خليقاً بالبحث والتفكير، وبات يحفل به السُّودانيُّون، ويحملهم على نحو من أنحاء التفكير، ويثير في نفوسهم الخواطر الوجدانيَّة والاهتمام الاجتماعي والتساؤل السِّياسي. ثم كان دخول العامل الدِّيني في هذا المعترك قد زاد الأمر سوءً واشتعالاً ما في ذلك شك.
في خلاصة القول نستطيع أن نقول بثقة متناهية بأنَّ مشكلات السُّودان السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة ناشئة من الوهم المغروس في الثقافة الأحاديَّة، والمفاهيم التوهميَّة التي تصاحب هذا الانحياز. فلا مُراء في أنَّ السُّودان بلد مكوَّن من كثرٍ من المجتمعات في الحين الذي فيه نجد أنَّ بعضاً منها ذا ثقافة مميَّزة، وأخذ هذا البعض يوعى سياسيَّاً في سبيل هُويَّة قوميَّة منفضلة. وإنَّ الدَّعوة إلى هويَّة فريدة متنازعة عليها، ولأغراض سياسيَّة اعتنافيَّة تأخذ شكل هويَّة واحدة بعينها، ومرتبطة ارتباطاً لصيقاً بالعنف، هي سبب البلاء الأعظم في السُّودان. ومن هنا تستمر هذه الدَّعوة ليخيِّم البؤس فوق الهُويَّات والانتماءات الأخرى، وذلك من خلال الاختيار الخاص والتأكيد المستعظم لقلة قليلة من الصفوة السِّياسية وعليَّة القوم، مما حدا بالأغيار إلى مساءلة مزاعم الوحدة الوطنيَّة في أجواء يسود فيها قتلهم، واسترقاقهم، واغتصاب وسبي نسائهم، وانتهاب ممتلكاتهم وأنعامهم. إذاً، ما الذي يحدث دوماً ويفضي إلى تغيير الشعور بالوعي الذاتي، حتى يتحوَّل هذا الوعي إلى آخر زائف، ومن ثمَّ يمسي أداة قاتلة؟ إنَّ العلَّة تقبع في تجهيل أهميَّة الانتماءات والصلات الأخرى، وفي ذلك يستدعي الأمر إعادة تعريف مطالب الهُويَّة الأحاديَّة من صورتها العدائيَّة إلى أخرى مسالمة.
لا توجد تعليقات
