– شبكة عاين – ١٩ أغسطس ٢٠١٥ –
بعد الحصار الذي تعرض له الرئيس السوداني عمر البشير في جمهورية جنوب إفريقيا أثناء إنعقاد القمة الإفريقية منتصف يونيو، واصل رحلاته الخارجية لعدد من الدول لكن بحذرشديد هذ المرة، فتوجه إلى مصر لحضور مشروع قناة السويس الجديدة خلال الايام الماضية، وقبلها شارك في فعاليات القمة الثالثة العادية لرؤساء دول وحكومات الوكالة الافريقية للسور الاخضر في العاصمة الموريتانية نواكشوط أواخر يوليو الماضي، غير أنه غاب عن أهم مشاركة خارجية والتي تتمثل في القمة الرباعية الطارئة التي التأمت بـ”عنتبي” بخصوص جنوب السودان والتي ضمت الرئيس الاوغندي يوري موسيفني، والكيني اوهورو كنياتا، ورئيس الوزراء الاثيوبي هايلي مريام ديسالين، غير ان البشير ارسل وزير خارجته ابراهيم غندور، ولكن البشير ذهب الى العاصمة الاثيوبية اديس ابابا وشارك في قمة الايقاد والقمة الرباعية لدول جوار جنوب السودان.
التوجس من كمبالا تمنعه المشاركة في قمة رباعية
وكانت تقارير صحفية قد نقلت عن السكرتير الدائم بوزارة الخارجية الأوغندية جيمس موجومي، قوله أن زيارة البشير لن تخلق أزمة دبلوماسية في أوغندا بسبب مذكرات الاعتقال الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية، وأن بلاده تتبنى موقف الاتحاد الأفريقي الرافض للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن البشير فضل عدم المخاطرة هذه المرة ليذهب إلى مصير مجهول.
ومعلوم أن هنالك حالة من الفتور لازمت علاقات الخرطوم وكمبالا بعد قطيعة دامت لسنوات طويلة، ثم التنافس الخفي و المحموم في مد نفوذهما على جمهورية جنوب السودان الدولة الوليدة، منذ إنفجار الأوضاع في ديسمبر 2013م، الى جانب أنه لا يضمن رصيفه يوري موسيفيني الذي ظل يناصبه العداء منذ تسعينات القرن الماضي، فلايوجد ما يمنعه من تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية.
ويقول مراقبون تحدثوا لـ (عاين) ان البشير استفاد فعلياً من درس جنوب إفريقيا ولايرغب في تكراره مرة أخرى رغم أن زياراته الخارجية كما يقول أنها تحدي لقرارات المحكمة الجنائية الدولية، كأولوية تتقدم على تعزيز علاقات السودان الخارجية، ولكن رغم تلك السيناريوهات نقلت تقارير صحفية عن أحتمال مشاركة البشير في قمة التنمية المستدامة المنعقدة في مقر الأمم المتحدة بنيويوك في 26 سبتمبر المقبل، وكانت أنباء قد تحدثت عن نشر اسمه في جدول أعمال مبدئي وضعته المنظمة الدولية خاص بالقمة.
مذكرة اعتقال البشير ستمنعه من الذهاب الى نيويورك
ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية غير موقعة على ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، كما أنها ترتبط باتفاق خاص يقضي بالسماح لقادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بحضور الجمعية العامة بإعتبارها دولة مقر، وسبق أن طلب البشير في العام 2013 الحضور والمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقول الخرطوم ان سفارة الولايات المتحدة لدى السودان لم تمنحه تأشيرة دخول دون أي أسباب وإلتزمت الصمت حيال تصريحات المسؤوليين السودانيين وإحتجاجهم على عدم منح البشير تأشيرة لحضور القمة، وبحسب مراقبين تحدثوا لـ (عاين) فان البشير لن يستطيع الذهاب الى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الامم المتحدة بحكم ان المنظمة الدولية هي التي احالت قضية دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية.
وستظل زيارات البشير ترتبط بجدل سياسي وصخب إعلامي تدخل الدول المضيفة في حرج دبلوماسي طالما بقيت مذكرة اعتقاله مشهورة امامه في كل تحرك خارجي، فما زالت آثار الأزمة التي فجرها بين القضاء والجهاز التنفيذي في جمهورية جنوب إفريقيا مستمرة، كأول دولة تلتزم بتعاونها في تطبيق العدالة الدولية وتنفذ قرارات المحكمة الجنائية في القبض على الرئيس المتهم بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في إقليم دارفور الذي يشهد حربًا بين حركات مسلحة والقوات الحكومية منذ 2003.
في هذا السياق يقول الخبير القانوني علي محمود حسنين في حديثه لـ(عاين) أن البشير يعلم أنه بعد الحصار الذي تعرض له في جنوب إفريقيا لن يجد الحمايه من أية دولة، وأنه أصبح قاب قوسين من أن يعتقل إثر تحركاته، ويضيف أن سلوكياته تظهر ذلك، ولايستطيع أن يدعي البطولة بعد أن خرج هارباً من جوهانسبيرج بعد أن تم إعتقاله ليوم كامل بمنعه من السفر وهذا لم يحدث لاي رئيس دولة في العالم، ويشير حسنين إلى أن ماحدث في جنوب إفريقيا يعد سابقة قضائية، ويرى أن المعركة الآن بين القضاء والسلطة التنفيذية وحكومة جنوب إفريقيا، ويقول ان المحكمة عندما علمت بتهريب البشير بتواطؤ من الحكومة غضبت ولكنها إنتصرت للقانون.
هذا الموقف لايقوم به رئيس دولة محترم ـ كما يضيف حسنين ـ ولها سيادة، ويعتبر أن مافعله إهانة للجيش ووصمة عار لرئيس دولة، ويرى أن هذه الحادثة كانت سبباً في أن يتغيب عن المشاركة في القمة الرباعية التي انعقدت في “عنتبي” الاوغندية مؤخراً، ويقول (لم يكن في استطاعة البشير التوجه الى عنتبي مهما وفرت له كمبالا من ضمانات… خوفه هو الذي منعه من المشاركة في تلك القمة وقام بارسال وزير خارجيته غندور).
نصيحة قانونية للمحكمة الدولية
وينصح الخبير القانوني هيئة المحكمة الجنائية بضرورة إعادة النظر في الدول الأعضاء الذين وقعوا دون أن يكون لهم الرغبة في التنفيذ، ويشير إلى أن هنالك 123 دولة موقعة على ميثاق روما ويجب أن تتم محاسبة من يخرج عن الميثاق، ويؤكد أن رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما يسعى الآن ليتحلل من قيود إتفاق روما ويريد الإنسحاب لكن ذلك لا يعفيه من تلك الجريمة التي إرتكبها بتهريب مجرم مطلوب للعدالة الدولية..
ويرى حسنين أن جهات التنفيذ للمحكمة الجنائية الدولية هي كافة الدول الاعضاء، ويقول ان بعضها في افريقيا بدأت تنهار مثل تشاد، نيجيريا وكينيا والآن تلحق بهم جنوب أفريقيا لعدم إلتزامها بتنفيذ قرارات المحكمة الصادرة في حق توقيف البشير رغم أنه زار تلك الدول، ويوضح أن جهة التنفيذ الثانية مجلس الأمن الدولي وهي ذات الجهة التي أحالت الأمر للمحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593 الذي أحال قضية دارفور للمحكمة، ويجب أن يقوم بدوره التنفيذي، هذا القرار ينص على أن جميع الدول موقعين أو غير موقعين على ميثاق روما، عليهم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ مذكرة القبض الصادرة في حق البشير.
الدول الافريقية الاعضاء في المحكمة لم يطلبوا الانسحاب منها
وفيما يتعلق برغبة الزعماء الأفارقة بسحب توقيعاتهم يعتقد حسنين أن رؤساء الدول إرتكبوا جرائم، لذلك ليس لديهم رغبة في القبض على البشير لكن هنالك حادثتين مشابهتين في نيجيريا وكينيا صدرت قرارات ولكنه غادر قبل تنفيذ قرارات القبض، إلا أن تشاد رفضت تنفيذ القرار رغم أنها موقعة لكن العلاقات بين البلدين تحول دون ذلك، لكنه يشير إلى أن ماحدث في جنوب أفريقيا أثار نوع من الوعي ويعد درساً للزعماء الإفارقة والمواطنين، أما البشير فلن يجرؤ على زيارة الدول بذات الطريقة التي كان يدّعي أن زياراته الخارجية تعد تحدياً وإنتصاراً على قرارات المحكمة الجنائية الدولية.
بينما تقول المحامية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية ديالا شحادة لـ (عاين) أن التوقيع ليس له تبعات قانونية ذات شأن كالمصادقة، وان السودان وقع ولم يصادق على اتفاقية روما، وتضيف (لكن الصحيح ان أياً من دول الاتحاد الأفريقي ال٣٤ الأطراف في إتفاقية روما ـ أي المصادقين عليها ـ لم تقم أو تعلن عن نيتها بالإنسحاب من الإتفاقية) وتعتبر ان هذه دلالة على ان النية الافريقية تجاه محكمة لاهاي ليست بالسوء الذي قد توحي به الخطابات السياسية للقادة الافارقة.
ومن وجهة نظر الخبير القانوني والمحامي المدافع عن حقوق الإنسان نبيل أديب الذي كان يتحدث لـ “عاين” أن حادثة جنوب إفريقيا، جعلت البشير يتحسب في كل زياراته الخارجية خاصة في إفريقيا بعد ما تعرض له من إحتجاز في جوهانسبيرج، فكان طبيعي أن يتغيب عن القمة الرباعية في أوغندا لأنه ليس هنالك ضمانات لحمايته، وشكك في دعاوي الزعماء الإفارقة بسحب التوقيع من ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية واصفاً موقفهم بأنه بدعة جديدة يرددها هؤلاء الزعماء في كل قمة إفريقية.
ويقول اديب أن الأصل في القانون الدولي لا يوجد فيه سحب توقيعات، ويضيف (ولكن التوقيع غير ملزم وانما الملزم هو المصادقة على الإتفاقية والتي تحدد طرق الإنسحاب)، ويقول (السؤال الذي يفرض نفسه هل القانون الذي تطبقه المحكمة إكتسب شرعية بتوقيع الدول؟)، ويجيب بالقول (بالطبع لا، لكن هذه الجرائم معروفة وإستقرت في الضمير الإنساني حاكموا بها اليابنيين في طوكيو، وهنالك جرائم ضد الإنسانية في يوغسلافيا وراوندا، معتبرا ان من يحاربون المحكمة لايعلمون أنها تحافظ على سيادة الدول، دون ذلك ستعود نظرية الإختصاص العالمي والتي تتعلق بأنه حال وقوع أي جرائم ضد الإنسانية في دولة ما يجوز لأي دولة أن تحاكم أي متهم في أي دولة أخرى.
