الانقلاب الثالث.. د. الترابي في نسختيه الشاب والشيخ:-
بانقلاب صبيحة يوم الجمعة 30 يونيو 1989م وهو الانقلاب الثالث الذي نتمنى أن يكون الأخير، كرّس الانقلاب أكثر الأنظمة فاشيةً منذ الاستقلال، قسّم السودان والحركة الإسلامية نفسها، وسينتهي الدكتور الترابي حبيساً في السجن مرةً بالاختيار، وتارةً بالكراهية، والانقلاب الذي قام لمكافحة التمرد وجون قرنق دي مبيور وإصلاح الاقتصاد في مسرح اللامعقول السوداني سيشهد في سنواته القادمة تحالف بين “قرنق والترابي” ضد الإنقاذ التي أقامها الترابي، وهذه دورة عجيبة من دورات الحياة!
في طرابلس ليبيا، كُنتُ وفاقان أموم على وشك لقاء الإمام بعد فترة طويلة من الانقطاع بين حزب الأمة والحركة الشعبية، ومن طرابلس كُنّا في طريقنا لسويسرا لمقابلة المحبوب عبد السلام وعمر الترابي لعقد اتفاق مع الدكتور الترابي وقد توليت التنسيق مع الدكتور علي الحاج، والمؤتمر الشعبي قُلت للرفيق العزيز فاقان: “لماذا لا نخبر الإمام بنحو ما عن لقائنا ونرى ردة فعله؟” كان فاقان حذراً قبل إكمال المهمة، وقلتُ له: “في الغالب إنه لن يصدق”، وحينما التقيناهُ وقلنا لهُ ما سيحدث بيننا وبين المؤتمر الشعبي، قال لنا الإمام (…).
الإمام وحس الفُكاهة:-
كان الإمام ذو حس فكاهي، يتعاطى النكات والدُعابة ويصنعها، وحينما وصلنا إلى العاصمة أديس أبابا في ديسمبر 2014م وبعد تعقيداتٍ طويلة في توحيد المعارضة، قُدنا في الحركة الشعبية مبادرة للمصالحة بين الحزب الشيوعي وحزب الأمة، وبعد غداء عمل ضم الأساتذة محمد مختار الخطيب، سكرتير الحزب، وصديق يوسف، وطارق عبد المجيد، وجقود مكوار، وأحمد العمدة، وشخصي، اتفقنا على لقاء مشترك مع الإمام الصادق المهدي، وفي مساء نفس اليوم حضرَ للعاصمة الإثيوبية أديس ابابا، الأستاذ الراحل فاروق أبوعيسى، فذهبنا في اليوم الذي تلاه للقاء الإمام، وتحدث الأستاذ أبوعيسى طويلاً عن العلاقة بين قوى الهامش والحزب الشيوعي، وبالذات بينه وبين الحركة الشعبية، وأنها قائمة على أُسس ومبادئ، والأستاذ فاروق أبوعيسى يمتلك قدرة فائقة في اختيار الكلمات على طريقة الوخز بالإبر الصينية، وخشيتُ أن تفسد المقدمة مهمة اللقاء، وكنتُ أراقب الإمام الصادق ولغة جسده، ولاحظت أنه لم يتضايق، وبعد أن انتهى الأستاذ أبوعيسى، التفت إليهِ قائلاً: “ياخي لو العلاقة بينكم قوية للدرجة دي، وبمثل هذه المحبة، والله أنا إمام ممكن أعقد ليكم طوالي” فانفجر الاجتماع ضاحكاً.
وذات مرة كُنّا في منزل الإمام مع الراحل الدكتور عمر نور الدائم، أكثر قادة حزب الأمة ولاءً للإمام، والذي لم يتأخر من خوض أي معركة إلى جانبهِ حتى رحل، وكان الإمام يتحدث عمّا يجري في أروقة النظام وذكر له الدكتور عمر قائلاً: “يا سيد، صحبك الكلب دة سمعته قال شنو؟” فردّ الإمام: “يا عمر كيف يكون صحبي وكلب!” والإمام كإنسان كان متعدد الجوانب ومتعدد المواهب.
فقد بعث لي عدد من الأصدقاء، الذين تربطني بهم صلات وثيقة يلومونني ويذكرونني بأن الإمام الصادق أخطأ في كذا وكذا، وأود أن أقول لهم أن مقالاتي هذه ليست جرد لحساب الإمام السياسي، ولا توثيق لسيرته السياسية، بل هي تأمل في حياة أطول الزعماء السياسيين السودانيين، ورئيس حزب لعب أدوار متعاظمة يمكن تقييمها إيجاباً وسلباً، ولكنها في كلتا الحالتين مؤثرة، وهذه التأملات تستهدف النظر في سيرته صعوداً وهبوطاً، نجاحاً وفشلاً، فيما يمكن أن يؤدي لإنجاح الفترة الانتقالية الحالية، ومناقشة أدوار اللاعبين الرئيسيين، الحركة السياسية والجيش، والتحالفات، وبناء الكتلة الانتقالية، وبرنامج الحد الأدنى، وإيجاد قيادة موحدة، وإمكانية توحيد قوى الثورة والتغيير لإنجاح هذه الفترة الانتقالية، ومستقبل دور الجيش في بناء ديموقراطية مستدامة ومواطنة بلا تمييز وعدالة، والوصول إلى مرافئ مشروعٍ وطنيّ ونظام جديد، وهذه مهمة عسيرة لا تحيطُ بها المقالات.
وقد سعدتُ أيّما سعادة أن توطدت بيني وبين الإمام صلات طيبة في السنوات الأخيرة، حتى قُبيل رحيلهِ وقبل إصابته بالفيروس اللعين، فقد التقيتهُ مساء الإثنين مع د. مريم الصادق، وتناقشنا، وكان غاضباً من أشياء كثيرة، ثمّ أُعلن عن إصابتهِ يوم الخميس، ولا زلت أثق في أن الحوار بين قوى الثورة والتغيير هو السبيل الوحيد للوصول للفردوس المنشود على أرض السودان، والإنسانية، وأن الجمود والإقصاء والتخوين وشيطنة قوى الثورة والتغيير لبعضها البعض، هو هدية مجانية لقوى الثورة المُضادة، ولا يُعبِّر عن رُشدٍ وسداد، بل يُعبر عن انسداد لا يليق بالثوريين والثورة.
عودة إلى د. الترابي في نسختيه.. الشاب والشيخ:-
قال لنا الإمام إن لقائنا مع الترابي “مكاواة من الترابي للإنقاذ” ولا يعتقد أن اتفاقاً سيبرم، وأبرمنا الاتفاق بعد عُدة أيام، بعد أن ذهبنا من طرابلس إلى جنيف، وتم الاتفاق مع د. الترابي الذي عُرف بعدم تردده في اتخاذ القرارات التي يعزم على اتخاذها مهما كانت النتائج.
للدكتور الترابي نسختين، نسخة قبل 30 يونيو 1989م، والتي تمثل الترابي الشاب الذي بنى الحركة الإسلامية في خلال 25 عاماً من 1964م – 1989م، وقد شارفت هذه النسخة على نهاياتها بعد المُصالحة الوطنية، عندها تذوق الدكتور الترابي والحركة الإسلامية السلطة والمال عند أعتاب وأبواب نظام نميري ومبنى الفيحاء وبنك فيصل، وانتهت تأثيرات ثورة أكتوبر، وبحث الترابي عن التغيير عبر حركة جماهيرية في شعبان وغيرها، وقبل أن يبدأ القراءة من كتاب 19 يوليو 1971م، ليس في جوانبه السياسية ولكن في جوانبه العسكرية والفنية، واتخذ القرار بانقلاب 30 يونيو 1989م، انقلاب 30 يونيو 1989م أحدث شرخاً هائلاً في العلاقة بين الأنصار والإسلاميين، وجداني ومادي وفعلي “وكيف أعاهدك وهذا أثر فأسك”، بل وأحدث آثاراً للفؤوس حتى داخل الحركة الإسلامية نفسها، وإذا أرادت الحركة الإسلامية السودانية أن تعيد بناء نفسها، فعليها أن تُصلِّي صلاةً طويلة تجاه الفقراء والمهمشين، وأن لا تُصلي خلف الجيش والانقلابات، ومن المستحيل تجديد الحركة الإسلامية في نسخةٍ جديدة، إلا بمصالحتها مع الفقراء والديموقراطية والمواطنة، وتخلصها من قوى السلطة والاستبداد، وعليها أن تقرأ من نسخة د. حسن الترابي الشاب الممتلئة برياح ثورة أكتوبر 1964، لا من نسخة د. الترابي الشيخ الممتلئة بعواصف انقلاب 30 يونيو 1989م، وقديماً قرأ المفكرين الماركسيين، كارل ماركس، بنسختيه الشاب والشيخ، ولاحظوا الفروق في التوقيت والفكرة بين النسختين.
صعد البشير إلى دفّة القيادة، ولو كان من الممكن أن يستسلم الشعب السوداني لنظام شمولي، لاستسلم للإنقاذ، ولكنه قدّم التضحيات في كل الجبهات، من بيوت الأشباح إلى جبهات القتال، ببسالةٍ منقطعةِ النظير، وكانت ثورة سبتمبر 2013م، وصور هزاع والسنهوري وسارة عبد الباقي، وعمليات أبوكرشولا، هي القشة التي قصمت ظهر البشير، بعد معارك طويلة ومعقدة، سلماً وحرباً، خاضها الشعب، ووصلنا إلى ثورة ديسمبر 2018م.
في عهد البشير اختصر الإمام كل تكتيكاته بعبارةٍ شديدة الإيحاء “الجماعة ديل راكبين حصان أعور ومجنون، لو دايرين ينزلو بنزلهم، ولكن ما بركب معاهم” (كو بلغة البقّارة)، اقترب الإمام من حصانهم أحياناً، لدرجة أن قبِلَ أوسمتهم، ودخل سجونهم أحياناً كثيرة، ولكنه أبداً لم يركب ذلك الحصان الأعور والمجنون، حتى إن قُرب الإمام من ذلك الحصان أحياناً جلب إليه غضب البعض، حتى من أسرته، فقد حملت وسائل التواصل الاجتماعي رسائل من رباح وزينب الصادق -كريمات الإمام- في مواقف لا تتطابق مع مواقفه، ومع ذلك، فإن طريقته لم تُرضِ بعد أئمة الحياة السياسية وتياراتها، ولكن الحقيقة أن المُتأمِّل لمسيرة الإمام ضد الإنقاذ، سيجد أنه على طريقته الخاصة عمِلَ ضد الإنقاذ طِوال الوقت.
ديسمبر 2018م .. الثورة الثالثة والاعتصام:-
في مايو 2019م عندما أتيت للخرطوم وكنت محاكماً غيابياً بالإعدام، استمتعت قبل دخولي السجن، والنفي إلى جنوب السودان، بحوارات عديدة وعميقة مع الإمام، كان الإمام في أفضل أوقاته، وقد زال الظمأ وابتلت العروق، وذهب نظام الإنقاذ جُفاءً، وثبُتَ أجر الثورة.
وتناولت معه بالنقاش قضايا الانتقال والجيش والدعم السريع والسلام ووحدة قوى الثورة والتغيير والاعتصام.
كان الاعتصام حدثاً فريداً، كان كرنفالاً سياسياً وثقافيا واجتماعياً ولوحة مرسومة بمداد التنوع وبريشةِ شعبٍ فنانٍ ومبدعٍ، ولازالت في ذاكرتي حينما صعدُّت إلى المنصة ذاك المساء، وشاهدتُ غابةً من الفلاشات والتلفونات الذكية، لعقول وأرواح ذكية، لا يزال ما مضى منهم يحومُ حولنا، شاهدت الشباب الذين هم أكثر ذكاءً من تلفوناتهم الذكية التي يحملونها، يوثقون بها أحلامهم في بثٍّ مباشر وعلى الهواء الطلق، لقد كانت الثورة يا صاحبي مُتلفزة، ومنقولةٌ في بث مباشر.
ولأن كل ثورة تمهد وتلدُ ثورةً أخرى، وكل اعتصامٍ سيلدُ اعتصاماً آخر، وذات يوم قريب كُنت أسير على شارع النيل فوجدتُ ما كتب أحد الأذكياء على جدران الوزارة: “إن كشَّة فكرة.. والفكرة لا تموت” والفكرةُ مثل النيل، دائمةُ الحياة، ومكتوبةٌ بمداد الخلود، والحاكميةُ للفكرة والنيل، سيولدُ إعتصامٌ آخر متى ما استدعت الضرورة!
الأمر ذو الدلالة أن الاعتصام كان في 6 أبريل وأمام القيادة العامة “وليس مستشفى الدايات أو مدرسة الدايات” كما عبر الفريق أول صلاح عبد الخالق، فقد أكّد المدح بما يشبه الذّم، لأن الدايات والاعتصام، كليهما مكانٌ لولادةٍ جديدة.
