ثورة 19 ديسمبر: (ثلاث محطات رئيسة) .. بقلم: دكتور الوليد آدم مادبو
قلت في بداية المونولوج والذي أسميته “مونولوج الثورة الطويل” (الذي يشمل مقالة عن تقدم الثوار وعبقرتيهم، مقالة عن ترنح الإنقاذيين وانتهازيتهم، ومقالتي هذه عن تحديات الانتقال من الثورة إلى الدولة) أن الثورة قد انتصرت بكل المعايير المعنوية والمادية. وذلك صحيح من حيث أنها حصدت النقاط الضرورية واللازمة من أجل الإحاطة بالنظام والقضاء على مشروعيته تماما، لكنني لا أود أن أكون متفائلاً أكثر من اللازم، ولذا فقد حرصت على رسم خط استراتيجي وتبيان السبيل الأمثل للحفاظ على مكتسبات الثورة كي لا يتسبب التشظي السياسي والعسكري في إحداث تضارب للأجندة الثورية مستقبلاً ويتسبب في غياب تام لوحدة الهدف. ولذا فأنني أري من اللازم تكوين جسم يعني بترتيب سلم الاولويات الاستراتيجية وهي كما يلي:
إنني أشبه هذا المخاض بسباق المارثون، لكنه من النوع الذي يمرر فيه العَّدا الباتون لزملائه في محطة من المحطات. عليه فإننا يجب أن نتقاسم الأدوار كي لا ننهك ولا تضيع طاقتنا ولا تهدر ملكاتنا. فإن الثورات لا تسرق بالمعني، لأن ما تحصل منها لم يتجسد بعد، لكنها تجهض وتؤد قيمتها المحورية بواسطة النخب الانتهازية — في هذه حالة المركزية. كل واحد منا يجب ان يعي مسئوليته في المرحلة القادمة، ويسير بعزم وفق خطة تستلزم الانتباه لأهمية التخطيط، إعادة التقويم مرحلياً، وفق الاهداف التي حددها القواد وأخطتها الشهداء الأبرار بدمائهم. ليس أبلغ من رثاء شاعر البطانة ابو عثمان ود ايدو لأخيه الذي استشهد في هبة ديسمبر الأخيرة:
أخوي بتحملك لا من تشك في رجالتو
إن اليقينيات أو المرتكزات الأساسية للثوار هي كالاتي:
الجنرال يعلم أن الجهة التي توجه الرصاص الحي إلي صدور المواطنين لن تتواني لحظة في استئصاله، إن هي ترصدت أو تربصت به في إحدى رقصاته، ولذا فقد ظهر مؤخراً وقد يلبس واقياً للرصاص. حتماً، هو لا يخشي المواطنين العُزل، الذين كان يحسبهم جبناء وغير قادرين علي التصدي له ولعصابته بعزة وإباء، وشيم ترفض الخسة والغدر وقلة الحياء. صحيح، أنهم نجحوا في “قنطرته” بكل مكر ودهاء. لكنهم، أي الاسلاميين، فوجئوا بالمسلمات، ما يجب أن يعيه الكل هو أن هذه الثورة لن تسير علي منوال الثورتين السابقتين، لأن هناك فراغاً سياسياً وثقافياً ومجتمعياً لن يملأ بيسر، كما ان هناك استقطابا إقليمياً حاداً، واضمحلال أخلاقي عالمي، سيجعل من الصعب، وليس المستحيل، الانتقال إلي حظة توازن مستفيدة من الانسجام الوجداني الحالي. هذا المارثوان سيمر بثلاث محطات، وإذا شئت زفرات أو هبَّات، وهي كالاتي:
أتوقع أن تستغرق هذه المرحلة من 6 أشهر إلى العام ونصف قبل أن تستبين الأمور وأن لا يقل عدد الشهداء من العسكريين والمدنيين عن خمسة الاف. (الأعور ما جايبه على بر فقد تسبب في قتل نصف مليون مسلم في دارفور فهل تخاله يقنع بأقل من واحد في المئة؟ )
يحمد الناشطين حماستهم في الوسائط الاجتماعية، وهمتهم بيد أنهم يجب أن يتبعوا سياسة النفس الطويل، فهذا المعترك يختلف نوعياً عن أكتوبر وإبريل اللتان كانتا عبارة عن سباق سريع وكثيف خمدت من بعدها الحماسة، بل قلت الكياسة وانعدمت حينها حصافة الكل عن المتابعة. حتي تتحقق أهداف الثورة، فيجب علي الكل أن يعي حجم التواطؤ التاريخي، والذي امتد منذ سنار، بين النخب الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. يجب أن يعي الشباب أنهم يواجهون أكثر من ملك، وأنهم إنما يهددون مصير أكثر من كهنوت وإن قربت لأكثرهم ساعة الموت. عليه، فيجب أن يتخذوا التدابير التي تحمي ظهورهم من الأعداء الظاهرين وأن يستعيضوا عن الوحدة الفوقية بوحدة قاعدية تقيهم شر الآفة الخفية. يجب أن يوافوا القنوات الإعلامية بأسماء من يمثلونهم وألا يستهينوا بمقدرتهم علي ايصال حجتهم، فإن من حمل الروح علي أكفها لا يعجز عن الافصاح عن حجته. لقد ضاعت أعمارنا في المهاجر والملاجئ والمعسكرات وآن لنا ان نجتمع في وطن حر نبنيه بعزمنا وفق استراتيجيتنا التي تتفق وهويتنا والكذاب دا مو مننا. نريدها ثورة علي غرار الثورة الفرنسية أو الايرانية أو الصينية، المهم أن تفعل ما من شأنه أن يحدث قطيعة أبستمولوجية وشعورية وفكرية مع ماضي الدولة السودانية. لا نريد سوداناً عريضاً (وإفكاً مديداً)، إنما سودان جديد ذات إرث تليد.
إذا أردت أن تعرف من المنتصر ومن المنكسر فتفرس وجوه العصابة لحظة تجمعهم وتجهمهم ساعة الخطاب الموجه لقادة الصف الأول من المؤتمر الوطني أو المؤتمر الوثني كما سمّاه الثوار، وقتها تعرف ضعتهم وشؤم أقدارهم (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج ١٨). فكيف بهم إذا اقتيدوا يوما وهم الوف حذر الموت إلى ساحة القصاص والشعب جزل وطرب في ساحة الحرية يتغنى بقولنا شاعرنا المجيد الدكتور وجدي كامل:
لا توجد تعليقات
