عبد الله علي إبراهيم
Summary
أعلنت نقابة أساتذة جامعة الخرطوم خلال الـ31 من مارس الماضي، الإضراب المفتوح حتى الاستجابة لمطلبهم بإجازة الدولة والجامعة لهيكل راتبي خاص تقرر لهم في عام2021.
صار خبر جامعة الخرطوم منذ عودتها إلى التعليم التقليدي خلال نوفمبر 2025 “شيلاتنو (متناقل) البداليات” في معنى أنه مما يتداوله غير أهله سدى. و”البداليات” هن نساء البدو يهبطن من البادية إلى نهر النيل في فصل الصيف فيبادلن لبن سعيتهن بقمح القرى ويسربن من باب لباب ما سمعن من خبر.
فصارت الجامعة في خشم “البداليات” خلال يناير الماضي باستقالة الدكتور علي عبدالرحمن رباح من منصبه كأمين للشؤون العلمية برسالة منشورة على الملأ حرصاً منه، في قوله، على القوام الأكاديمي للجامعة وشهاداتها من أخطار جاءتها من ثقوب ذكرها لا موضع لتفصيلها هنا. ومهما كان من أمر رباح فالمأخذ عليه، وهو صمام الأمان لصدقية الشهادة الجامعية لجامعة ملء السمع والبصر، لم يتحر مساقط استقالته في بيئة يكفي عن شراسة استقطابها أنها تخوض حرباً عواناً دخلت عامها الرابع. فلم يزد خبره على مجرد كونه زيتاً صُبَّ فوق نار الناشطية السياسية في مناخ الاستقطاب السياسي حول الثورة والحرب بين “البلابسة”، وهم من يدعون إلى “بل” (حرب) الجنجويد حتى يستسلموا صاغرين، وبين “القحاطة” الذين يدعون إلى وقف الحرب كيفما اتفق. فاتهمه البلابسة بصدوره في استقالته عن انحياز لـ”الدعم السريع” لم يقيموا عليه الدليل بعد. ومن الجانب الآخر، لم تعد قضية رباح في خصوصيتها موضوع من تضامنوا معه من القحاطة فاتخذوها كمجرد دليل آخر على ما عرفوه أبداً عن مباذل الإسلاميين في الحكم، ضمن دولتهم القائمة في يومنا لم تمس ثورة ديسمبر 2018 شعرة منها.
ولم يطل الوقت برباح ليرد الأمر من خشم الناس إلى نصابه في زمالة المؤسسة التي استعادت الجامعة من براثن الحرب. فبذل العرفان لزملائه في رسالة لاحقة لتكاتفهم في مختلف الإدارات في ظروف استثنائية بالغة القسوة والتعقيد ليقول “لقد عملنا خلال هذه المرحلة العصيبة على ملفات محورية شملت الشهادات الإلكترونية والتعليم الإلكتروني وتنظيم الاختبارات وحماية السجل الأكاديمي وغيرها من القضايا المصيرية، ونجحنا إلى حد كبير في إرساء قدر عالٍ من التناغم المؤسسي والعمل الجماعي المسؤول بما حافظ على حقوق الطلاب والخريجين في زمن الحرب”.
وكان الخبر الثاني في خشم البداليات هو إعلان نقابة أساتذة جامعة الخرطوم خلال الـ31 من مارس الماضي، الإضراب المفتوح حتى الاستجابة لمطلبهم بإجازة الدولة والجامعة لهيكل راتبي خاص تقرر لهم في عام 2021. فقال البيان إن قضية الهيكل الراتبي ظلت تؤرق مجتمع التعليم العالي وتقف حجر عثرة أمام نهضة التعليم. وذكروا بوقفة نقابية لهم في عام 2021 تمخضت عن قرار من مجلس الوزراء أخرج أساتذة الجامعات من الهيكل الموحد للخدمة المدنية ليحظوا بنظام راتبي خاص. وانتظرت النقابة أن يضمن هذا الهيكل في موازنة 2022 ولم يحدث. فأضربت النقابة لمدة أربعة أشهر ليشكل مجلس الوزراء لجنة خاصة أخرى لدراسة الهيكل الراتبي الخاص المعطل.
وتوقفت أعمال اللجنة بسبب الحرب غير أنها استأنفت نشاطها وأجازت الهيكل خلال أكتوبر 2025. ولكن الجهات الرسمية تجاهلته واستبدلت ذلك بزيادة 100 في المئة في الأجور وهي، في قول النقابة، ما لا يسمن ولا يغني من جوع. وعليه قررت النقابة إعلان الإضراب الشامل والمفتوح. والتفت البيان للطلاب معتذراً، سائلاً منهم تفهم موقفهم الذي اضطرهم للإضراب. فهو ليس سلاحاً يلوحون به في وجوههم، بل يعد سلاحهم وأملهم الوحيد في النهوض بالتعليم لبناء وطن يسع الجميع. ومن قال حقي غلب. ولكن يعاني الموقف في البيان مما سماه أحد الكتاب بـ”العقلية النقابية” وتتمثل في أن المطلب النقابي من المؤسسة منبت عن نظر في قدرة المؤسسة نفسها على تحقيقه. تقدر ما تقدر. فمثلاً لن تجد في البيان إشارة من أي درجة لتأثير الحرب في موازنة مؤسستهم التي تركتها معاركها خرائب منكرة. ومن مثل أساتذة جامعيين من ينهض بمثل هذا الشغل؟ بل لم ترد الحرب في سائر بيانهم إلا في مقدمته التي ثمنت تضحيات القوات المسلحة لينعم السودان بالأمن. ثم بطل الحديث عن الحرب بالكلية وكأنها حين دارت لينعم السودان بالأمن وجامعته العريقة لم تأكل أخضر اقتصاد السودان ويابسه.
أما الخبر الآخر عن جامعة الخرطوم الذي تناقلته البداليات خلال الأسبوعين الماضيين فهو عن تسجيل فيديو للبروف عبدالسميع عبدالله عميد كلية الطب بالجامعة لزملائه في الكلية، أو المهنة، الذين سبقوا بالتهنئة له باختياره للمنصب مما لم يقصد بالطبع أن يشاع على الملأ. ولكنه شاع.
فبعدما رد العميد لزملائه التحية بمثلها قال إنه تغيب يومين عن الكلية تحدث فيهما إلى زملائه عن الفجوة الكبيرة في هيئة التدريس مما سيعرضه عليهم. فوجد أنه لم يبق في السودان من أحد أقسام الكلية من كان أعضاء الهيئة فيه 17 أستاذاً سوى اثنين، أحدهما في مدينة شندي وخدمته في القسم بعد معاشية، بينما الآخر في مدينة أخرى أخذته لها ضرورات المعايش. فكانت الحرب دمرت بيته، وشفشفت سيارته، وأغلقت عيادته، وخربت المستوصفات التي كان يعمل فيها. ولم يبق في مستشفى سوبا الجامعي من شيء من أجهزة ومعدات وأسرة وغيرها، ناهيك بانعدام التيار الكهربائي فيها. وقال لهم “قيسوا على ذلك”، فقسم الجراحة بالكلية لم يبق منه سوى ثلاثة من جملة 32 أستاذاً، يقيم اثنان منهم داخل مدينة عطبرة والثالث في مدينة أخرى. وغادرت الأكثرية إلى بلاد في الجوار وغير الجوار.
وسأل العميد في حديثه إن كان سترجع هيئة التدريس الغائبة، ليستدرك سائلاً عما يغريهم بالرجوع. فراتبه وهو على قمة الكلية 385 ألف جنيه سوداني (120 دولاراً) شهرياً ويبلغ الـ400 ألف (125 دولاراً) بعلاوة العمادة. وسارع معارض للحكومة ولفتح الجامعة نفسه للقول في مقالة له “كيف يمكن لعميد كلية الطب أن يحصل على 100 دولار شهرياً بينما عليه أن يتحمل مسؤولية إعادة الطلاب لكلية دمرتها الحرب؟” الخبر في خشم البداليات.
وتساءل العميد عن كيف لهؤلاء الأساتذة الغياب تدبير حالهم وكثيرهم دون الـ60 لا تزال بناته وأولاده في المدارس أو التعليم العالي، ناهيك بأن الحرب قطعت يدهم من بيت أو عيادة أو سيارة أو أثاث. وأضاف أن وسط الخرطوم، حيث تقع كلية الطب، بلا كهرباء، واندثرت مجاري الصرف الصحي وقاعات الكلية صفصف خرب. واستهلك من احتلها خلال الحرب كل مقاعدها الخشبية لإحراق الكوابل الكهربائية واستخلاص النحاس منها، أو وقوداً لنار مطبخهم. وتوقف العميد ليشكر أحد الخريجين الذي تكفل باستعادة قاعة البغدادي، زينة الكلية.
وحذر من أن الكلية ربما لم تنهض من وهدتها. وسأل، فمن من هيئة التدريس سيعود إلى للعمل بأجر مقداره 400 ألف أو 500 (156 دولاراً) للشهر. وأضاف أن إحجامهم عن القدوم إليهم هو تحدي الكلية. وإذا قيل إن الحل في تعيين غيرهم، في قوله، فمن ذا الذي سيرضى بتعيين مقداره 450 ألف جنيه (750 دولاراً). وقال إنه يتفهم انشغال أساتذته بهموم المعايش في الحرب. وخلص إلى أنه بتعاون زملائه في الكلية والخريجين والمنظمات الدولية (المنظمة الطبية السودانية الأميركية ’ساما‘) التي في الولايات المتحدة سيحدث خيراً، ولكن التحدي وجودي مع ذلك وسألهم دعواتهم.
ودخلت البداليات على حديث العميد. ويكفي من كآبة قولهن الخط العريض عنه في “سودفاكس” على الإنترنت منتصف أبريل الماضي، القائل “عميد كلية طب الخرطوم يدق ناقوس الخطر”. وأذاعته صحيفة “التيار” بعناوين صارخة لها شرر “من 30 أستاذ جراحة لم يبق إلا خمسة. رواتب أقل من 100 دولار وجامعة بلا كهرباء”. مع أن خرائب الجامعة جراء الحرب من المعلوم بالضرورة مما لا يجعل من قول العميد خبراً، بل نعياً.
لو علم العميد أن عبارته لزملائه مما سيملأ أشرعة معارضة للدولة في حيز الاستقطاب من حول الحرب لربما بدأها بالجملة الأخيرة عن أنه سيلاقي التحدي الوجودي للكلية باستنهاض موارد كامنة لها بين خريجيها. ومن نعم الله على كليته أن خريجيها ليسوا الأعلى دخولاً من سائر خريجي الجامعة في بلاد الله، بل الأشد تضامناً والأوثق زمالة بحس مهني استثنائي. ولعل أفضل من عبر عن هذا الجانب منهم ياسر يوسف مختار رئيس تجمع الأطباء السودانيين بأميركا (سابا)، تلك المنظمة التي تفرغت للخدمة الطبية في السودان والإعانة عليها منذ عام 2019 خلال ثورة وحرب ما فلَّتا لها عزيمة.
ونسب ياسر بعض هذا التواثق إلى أن الزمالة بين خريجي كلية الطب غيرها بين خريجي الكليات الأخرى. ففترة دراستهم تطول في الجامعة بساعاتها السريرية وسنوات الامتياز فتوثق ما بينهم لا كما في غيرهم. فإذا تخرجوا عملوا في مؤسسة واحدة هي المستشفى وسكنوا في الميزات المخصصة لهم دون غيرهم. بل إن مخدمهم الغالب هو وزارة الصحة لا كالمهندسين مثلاً الذين يتوزعون على كل وزارة أو مؤسسة تطلب خدمتهم. ولوجود الأطباء تحت مخدم واحد تعارفوا على زمالة نقابية من حيث وحدة القضايا. وهذا ما اجتمعوا عليه نقابياً ببسالة خلال دولة الإنقاذ التي حرمت مثله على الجميع.
وعلى ذكر العميد لـ”ساما” (المنظمة الطبية السودانية الأميركية) فقد كانت احتفلت قبل أسبوع بمرور 18 عاماً على تأسيسها جردت خلال احتفالها حسابها فإذا به متعة للناظرين. فبدأت في عامها الأول بموازنة من أموال أهل الإحسان والخير مقدارها 10 آلاف دولار لتبلغ في عامهم هذا نصف مليون دولار. واستخلصت من الحكومة الأميركية إذناً عزيزاً لإنفاق مالها كمنظمة خيرية في السودان الذي ساء صيته عندها. ولم تثنها الشروط العصيبة التي عملت فيها من مثل وجود دولة كالإنقاذ مقاطعة حتى الثمالة من أميركا، والثورة في عام 2019 والنزاع الذي ضربها في الصميم، وجائحة كورونا، ثم الحرب من القيام بما التزمت به تجاه الخدمة الطبية للسودان. فإلى جانب تزويد المراكز الصحية بالمعدات والمستهلكات الطبية، عملت “ساما” في حقل التعليم بوجوه عديدة. ففوجت أساتذة زائرين للجامعات، وعقدت حلقات التدريب للكوادر الصحية بما في ذلك القابلات، وجعلت صحة الأمومة والطفولة على رأس اهتماماتها بفتح عيادات وقفت على أوجاع النساء من هذه الجهة. وربما كان تاج رأس المنظمة هو “مركز بشرى ابنعوف” لتدريب الكوادر الصحية بمكاتبه في القضارف وبورتسودان والخرطوم (تحت التأهيل بعد خرابه). وكان منظراً مؤثراً أن رأى شهود حفل ذكرى التأسيس قيام جيل شاب باستنهاض هذا المركز وإدارتها بتقارير في غاية التفاؤل.
تدخل كلية الطب في يومنا عامها الثاني بعد الـ100 الذي احتفلت به في القاهرة لتعذر انعقاده في الخرطوم بسبب الحرب. وربما كان تجديد الاحتفال به، وقد عادت الكلية للسودان، مناسبة لاستنهاض الكلية من رماد خرائبها التي يعز على كل سوداني أن تصبح هي الخبر عنها تتناقله البداليات. وليس هذا الاستنهاض على الله بكثير و”الجاب ما خاب”. فقد أحسنت الكلية إلى خريجيها إحساناً لم يتأخروا في إسدائه لأبناء وطنهم تطوعاً في “سابا” و”ساما”. وقد تضطر الكلية إلى السقم من هذا الاستنهاض كما بدا من العميد، ولكنها بالغة ما تطمح فيه باستنفار الموارد التي في متناول يدها. فلم يفت خرابها من عضد من دانوا لها. فانعقدت على الخيرة أول محاضرة لطلاب الصف السادس في قاعة البغدادي بعد صيانتها في الأسبوع الأول من فبراير أمها طلاب آخرون وخريجون. وعقدت الكلية في عام 2025 مؤتمراً صحافياً غير مسبوق إليه للإعلان في مباني كلية غيرها عن اكتشاف عقار جديد لعلاج مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) جرى تطويره من خلال بحث مشترك بين جامعة الخرطوم وجامعة كوماموتو في اليابان.
لن يكون خبر جامعة الخرطوم طعاماً للبداليات متى تمكن منها تفاؤل العزيمة في غيهب تشاؤم الفكر.
ibrahima@missouri.edu
