حجج مثقوبة في مديح القُبح .. بقلم: ابراهيم عثمان
الباطل بيّـن لا يكاد حشد الحجج المنافحة عنه يستر عريه مهما تذاكى المدافعون ، فالحجج التي تحاول أن تدافع عن الباطل لا تفعل شئ سوى مزيد من البرهنة على أنه باطل ، وإلا لما احتاج صاحبها إلى كل هذا الغش والتدليس لستره ولما جاز تشغيلها بسهولة في الإتجاه المعاكس ، بينما الحق دائماً يرتفع ليصل إلى مرتبة البديهية والمسلمة التي تبرهن على نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى براهين من خارجها ، وذلك يُتعب الذين يهاجمونه فيهربون من مهمة دحضه في ذاته إلى مهمة أكثر صعوبة فيسلمون ضمناً بكونه الحق حينما يحاولون التشويش عليه من خارجه بحجج مركبة يعوزها التماسك ولا يزيد سقف طموحها عن مجرد المشاغبة والتشكيك وتنزيل درجته من حق بديهي ومسلم به إلى حق نسبي يحتمل الإختلاف ، هناك قضايا جدلية تحتمل هذا النوع من الغش الجدالي ، لأنها بطبيعتها قضايا معقدة ينبني الموقف منها أو الحكم عليها على عناصر كثيرة فيها مجال لإختلاف الآراء ، وفيها مجال لإشتغال الحجج المثقوبة بخفاء قد لا يلحظه الكثيرون ، وهي بطبيعتها لا تحتمل الصحة المطلقة ولا الخطأ المطلق ، وبرغم ذلك فإن من يحاولون البرهنة على أي من الحكمين الجذريين قد يجدون مجالاً أكبر للتفهم ، خاصة في الجدل السياسي حيث المجال أكبر لإختلاف الآراء ، وحيث تقل المسلمات المجمع عليها وتكثر مواضيع الإختلاف سواء حول صحة وخطأ المبدأ أو حول طرق تطبيقه أو حتى حول النوايا . لكن البعض من العلمانيين و”أصدقائهم ” يحاولون في مرات كثيرة الخروج عن الجدل في النسبي والمتحرك والقابل لإختلاف الآراء إلى الجدل في المتفق عليه لأن مشكلتهم الأساسية هناك ، وهم يعلمون أنها السبب الرئيسي لعدم شعبيتهم ، لذلك يضطرون إلى اقتحام هذه المناطق الملغومة بزاد حجاجي لا يفعل شئ سوى زيادة عزلتهم .
No comments.
