رغم أن الحياة مقيّدة بقيود التقاليد المحافظة، إلا أن الحياة تبسط نورها كل صباح بفأل جديد. ورغم أن الحياة المحافظة قد رسمت للمرأة وللرجل وللأطفال، طريقا أقرب الشبه بخط السكّة الحديد المستقيم، قلّما يفلت منه أحد، ورغم أن الحياة المحافظة قد خطّت خطوطا للملبس، وطريقة للطعام، إلا أن الناس قد قبلت السلطة البريطانية، كإذعان طبيعي لمنطق القوة، وفرضها على الأهالي. وهم يسيرون عليها رغم مضي خمس سنوات من تاريخ رحيلهم عن السودان.
وفدت على أم درمان مجموعات من شتى القبائل السودانية، من الصعيد والسافل ومن غرب السودان ومن المجموعات النيلية منذ دولة المهديّة، من أبناء المواليد والمكادة و التكّارنة وأولاد الريف الذين انحدروا من مصر ومن المغرب، ومن شتى المِلل وتمازجت المجموعات من بعد حذر النزوح الأول وتوتره. أجرى الزّمان يده تُخفف غرابة التنوع، فتكوّن النسيج الفريد، ونشأ مجتمعاً أسرياً وعائلياً متراحماً في السّراء والضّراء، وخفتت القبلية رويداً رويدا.
زاحمت المدارس الأولية الخلاوي، فصارت الخلاوي درجة من التعليم قبل المدرسي. ولمدارس الأحفاد وبيت الأمانة والأهلية، جانب آخر موازٍ للتعليم الحكومي.
(2)
قدم طفلٌ صباحا إلى دكان الخيّاط عبد الحميد قائلا:
– أمي جابت ليك المرارة دي، إن شاء الله تاكلا وتموت.
رد الرجل:
– ليه تتمنى لي الموت يا ابني؟
فقال الطفل:
– قالت لي أمي لازم تنتظر تودّي المرارة للخيّاط، ولكني تأخرت من المدرسة،… الليلة أنا بجلدوني …
*
تذكر الشاب عبد الرحيم أنه ركب ” بصّ العظمة” في سَيّرة شقيقه محمد مساء الأمس، واضطّر لانتظار بص السّيرة كي يعود، لأنه نسي شيئا مهمّا في البيت، ولأن الثورة الحارة الرابعة، كانت بعيدة من حي العباسية وتقع أقصى شمال أم درمان. وفي الصباح أصبح بلا فلوس، وقف أمام أمه يطلبها شلنا ليذهب به للعمل. ولكنها ردته خائبا. فقال في سرّه:
– الله يقطع العِرس وأيامو، انقطّعنا من يوم العزوّمة، ما شفنا فيها غير الفلّس. دَة حالّتو الشُغل، وكيف نعمل مع الصبحيّة الليّلة!، أنا ما أخو العريس؟
*
نعيمة بتّ البشرى، كانت تذبح الخروف، وتدعو النّسوة من الجيران لتناول الإفطار، وفي العصر، جهّزت ( قهوة السيّد علي) كرامة. بلغ الخبر عثمان الحدّاد، فقال لعبد القادر:
– أنا العارفو نعيمة ما كان أهلا أنصار أو ختمّية…
فرد عبد القادر:
– بينا وبين الختمّية لحمة نسب.
فقال عثمان:
