( دولة الجنوب ) و عيد 3 مارس المفقود .. بقلم: عبد الله الشقليني
لها برلمانٌ من الياسَمينْ
(2)
وتمت آخر المطاف النُصرة لقيام دولة جنوب السودان . وذلك حقٌ لمن يطلب ألا يكون مواطنوه من الدرجة الثانية ، كما سوّق لذلك رئيس الحركة الشعبية ورئيس حكومة جنوب السودان قبل الاستفتاء . ولكن العِبرة بالمآلات ، والقضية أن ينظر الذين نحسبهم مُفكرين في مكرهم لنيل الانفصال لماذا بعد ؟، ويستبقوا خارطة الوطن الجديد والتنمية والتعليم ومحاربة الفقر والمرض ، وخلق العمل المُنتِج ، لن جنوب السودان لم يصدر ماشية طوال تاريخه ، في حين أن دارفور وكردفان اعتمد عليها اقتصاد السودان التقليدي إلى اليوم ، فأين إسهام أهل الجنوب في التنمية . حين هاجروا لشمال الوطن الواحد تعلموا الحرف وأتقنوها ، وأسهموا في قيام البنية التحتية للشمال ، فجامعة الخرطوم أسهم النساء من جنوب السودان في تنفيذ بنائها في سنوات القرن العشرين الأول .فهل قامت دولة حقيقية أم دولة غير حقيقية تحتاج الوصاية الدولية كما هو حادث اليوم !؟ . يبدوا أن المآلات لن تكون وفق ما تصورها مُثقفي جنوب السودان الذين يقيمون في الولايات المتحدة، من الذين خدموا فصل الجنوب من البُعد !!.
لا أحد يذكر صديقنا الدكتور ” جعفر طه حمزة ” الذي انتدبته مصلحة الثقافة في سبعينات القرن الماضي ، ليصير أول مُترجمٍ لمجلس الشعب الإقليمي بجنوب السودان ، من بعد إنجاز اتفاقية أديس أبابا . عاد بعد زمان من جوبا ، واجتاز امتحانات التصفية للمُتقدمين للسلك الدبلوماسي في السبعينات وكان من الأوائل . وصار إلى المكانة التي يعرفها الجميع ، انتظر بضع سنوات في السلك الدبلوماسي ،ثم آثر الانتداب لمعهد الدراسات الإفريقية والأسيوية ، لنيل إجازة الدكتوراه ، حتى نالها بإشراف الهرم التاريخي ” دكتور يوسف فضل ” . ومنها نسي هو وزارة الخارجية ، وعاد محاضراً غير متفرغ للترجمة والتعريب بجامعة الخرطوم .
إن الفجيعة أكبر من سعة الألم . هذه الجينات المُختبئة في بطون الأجساد ، منذ تاريخٍ قديم ، لن يُغسلها قرار سياسي مُسبق بفصل الجنوب . تلك الأبنوسة الجينية التي لونت البَشرة السودانية بألوانٍ شتى ، وأعملت خليطاً من أمم وشعوب وقبائل ، وأثمرت جميعاً ” البطون البَطرانة ” والثقافات المتنوعة التي رغم ظلامات بعضنا ، سارت بخُطى بطيئة . إن المسير السلحفائي للتغير والتكوين الثقافي والإثني للأخلاط ، إيجاباً يتعين أن تكون ،لا سلباً كما هو الحال . هذا الوطن الفسيح بتنوعه ، استولد بطاقة هوية غير المُصنفة ، ومُتعددة الأهواء وفي بطنها الغرائب ! . لا تنتمي إلا لنفسها ، بلا شبيه .لن تُنازع أمة ، غيرها من الأمم السودانية على مفهوم ” الهوية ” أو الانتماء المُتغير دوماً ، حتى بات اللقاء والتوافق مبين بعضنا مُستحيلاً . ليحتفظ من يريد بهويته الراهنة ، والتقيّد بنصوص مواد حقوق الأنسان جميعاً : لا دين يفرض على الناس ، ولا ثقافة تُفرض عليهم . كلها حق طوعي يمارسه البشر ، وتبقى اللغتين الانجليزية والعربية ضمانا للتصاهُر المُرتجى . وأمر اللغات المحلية ، تدخل الحوار الحقيقي : هل تموّلها الدولة أم هي عمل طوعي أم مناصفة بينهما ؟ .الاقتصاد يدخل هنا من الباب الواسع .
انتهى الصراع حسبما كان يظن البعض ،بإتفاق بين سلطة الإنقاذ في شمال السودان والحركة الشعبية في جنوب السودان ، دون شريك من أحزاب الشمال أو الجنوب . اقتسم الشريكان ناتج البترول بينهما لمدة خمس سنوات ،إلى أن انتهى الأمر بالإنفصال الذي كان مُعداً في نصوص اتفاقية “نيفاشا ” والدستور : “استفتاء حول تقرير المصير لجنوب السودان” ، 9/7/ 2010 م قضى بقيام دولة وليدة هي ” دولة جنوب السودان ” التي نشهد مصيرها المجهول اليوم . وكثير من القنابل الموقوتة تنتظر الجرافات المُتقدمة لتُزيلها .ولم يزل السودان الوطن السابق ، يرزح تحت نير الحروب الأهلية .
Abdallah Al-Shagli
No comments.
