ديموقراطية ما بعد الهُوية .. بقلم: أوليفر فلوغل – مارتينزين .. ترجمة: فادية فضة ود. حامد فضل الله / برلين
نُشرت هذه الترجمة في مجلة ” تبين “، العدد 31 ــ المجلد الثامن ــ شتاء 2020، وهي مجلة فصلية محكمة تعني بالدراسات الفلسفية والنظريات النقدية، الدوحة ــ قطر. ونقدم هنا هذه الترجمة بصورة مختصرة. الهوامش والمراجع وبعض الشروحات في حوزة المترجم.
تعرضت المنهجيات النقدية الجينالوجية (الوراثية) والتفكيكية في المناظرات العامة والعلمية في الفترة الأخيرة، الى تهمة تأجيج سياسات ما بعد واقعانية (Postfaktisch) شعبوية. لقد أثار مايكل هامب (Michael Hampe) هذا الاعتراض ضد ما يسمى اليسار العلمي الثقافي ، حسب وصفه، واتهم بول بوغوسيان (Paul Boghossian)، من منظور واقعية فلسفية جديدة، العلوم الاجتماعية والاِنسانية البنائية بالخوف من الحقيقة، التي تؤدي في رأيه إلى نسبية غير مسؤولة. خلافا لهذه الشكوك العامة، من السهل أن نظهر في الموضوع الحالي بأن أدوات مثل المدخل الوراثي لميشيل فوكو (Michel Foucault) أو التفكيك عند دريدا وكذلك الاِجراءات المرتبطة بهما، مناسبة تماما لبدء حركة استطلاع نقدي مُحكم، التي تسحب ذلك الاساس الجوهري ــ أي، مثال الهوية الثابتة لشعب ماــ الذي يؤكد الافتراضات حول الهُويات الجماعية، والتي لها أهمية كبيرة في المقام الأول بالنسبة للسياسات الشعبوية اليمينية. لبدء حركة مراجعة نقدية محكمة تسحب أساسا جوهريا مثل فكرة الهوية الثابتة لشعب التي تؤكد هويته الجماعية، وهي فكرة ذات أهمية كبيرة في المقام الأول للسياسات الشعبوية اليمنية.
أذا اخذ المرء أفكار ليفورت لتفكيك نقاط ثابته كيقين بجدية، سرعان ما يتضح أن مثل هذه الآمال في تأسيس وحدة صلبة لجماعة يجب أن تبقى في نهاية المطاف بلا أساس. ولذلك، ولأن هناك جدل دائم يأتي به التنوع بدلاً من الوحدة المرغوبة، فإن محاولات إنشاء هوية موحدة للشعب في صيغة المفرد لا يمكن أن تتخذ إلا شكلًا عنيفًا. فهم لا يجدون شيئًا من هذا القبيل، لذلك يمكنهم فقط اللجوء إلى الوسائل القسرية لبناء الهوية من خلال استبعاد الآخر. وبما أن الطرف الآخر لا يمكن سلخه؟ عن الشعب الديمقراطي بطبيعته المتعددة الوجوه والمتغيرة باستمرار، فإن محاولات إقامة وحدة من الهوية الجماعية للشعب تصاحبها توحيد الهوية الجماعية للشعب وترافقها ايضاً أعمال استبعاد عنيفة، وفي حالات قصوى، الإبادة الوحشية للآخر. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن تمارس القوميات العنف ضد أولئك الذين هم شهود على التغيير الديمقراطي المستمر للشعب، ومطالبتهم بالانتماء إليه. إذا تابع المرء هنا الاعتبارات التي استخدمها جاك رانسيير للرؤية السياسية ، يظهر الخلاف حول تفسير من أو ما هو الشعب الديمقراطي، فإن الكفاح الحاسم لأولئك الذين يجدون أنفسهم في وضع تاريخي معين كأجزاء يدركون أنهم ذوات وليسوا مجرد أجزاء، وأنهم يدخلون في صراع سياسي لتشكيل العالم بهدف توزيع مختلف للأدوار، وهكذا، يمتد خيط أحمر لنضالات الحركة العمالية للمشاركة السياسية، مع المطالب النسوية من أجل حقوق سياسية متساوية ليصل اليوم الى كفاح المهاجرين. وهذا يعني لدى هؤلاء الفاعلين (التاريخيين) مع غياب أو تقليص الحقوق السياسية، توحد الجهد ليصبحوا جزءاً من عملية صنع القرار السياسي الجماعي للبلدان التي يعيشون ويعملون فيها.
عناصر الدفاع
تقف إيريس ماريون ينغ منذ البداية ضد خط الافتراضات الأساسية التقليدية المستخدمة كثيرا في نظريات العدالة في الخطابات المعاصرة: في حين أن الكثير من نظريات العدالة الرائجة، تعود الى جون رولز (John Rawls)، بربطه إعادة توزيع العدالة على المرجعيات المؤسساتية والمجتمعية لمجتمع دولة قومية منظمة، تطالب ينغ في المقابل بشدة، بأن مثل هذه الأشكال السياسية والمؤسسية لتنظيم المجتمع لا يمكن أن تكون شرطا لمطالب العدالة، بل يجب بالأحرى فهمها بدلاً من ذلك على أنها استجابة للالتزامات الناشئة من منظور العدالة. لقد صمم رولز في البداية، كما هو معروف، نظريته عن العدالة لمجتمعات الدول القومية وفي تحوله اللاحق إلى منظور ما وراء الدولة القومية، أكد أنه على المستوى العالمي، لا توجد التزامات عدالة لمبادئ إعادة التوزيع مماثلة لمستوى الدولة القومية. وُصف هذا الموقف في المناقشة حول العدالة العالمية، باعتباره موقفاً فردياً يمثله اليوم في شكل شديد الخصوصية ، ديفيد ميلر (David Miller)، الذي ينطلق من أن المطالب الخاصة ايضا بعدالة إعادة التوزيع حسب وجهة نظره، نتيجة روابط خاصة تميز المجتمعات الوطنية.
في القسم السابق، عند الجدل مع مسائل العدالة العالمية، من الطبيعي استخدام التمييز بين الشمال المعولم والجنوب المعولم، والذي، لا يبدو على الاِطلاق مستدامًا. صحيح أن هذا التمييز لا يزال لديه بالتأكيد قيمة توجيهية معينة في الوقت الحاضر، لأن توزيع الفقر والثروة لا يزال يسمح له على الصعيد العالمي، للتمييز بين البلدان الغنية، وعلى نحو أكثر تواترا في الشمال المعولم، وخاصة في ما يسمى عالم شمال الأطلسي والبلدان الفقيرة في الجنوب المعولم تظهر اتجاه حركات الهجرة الحالية بأن هذا التقسيم لا يزال في الوقت الراهن ايضاً صحيحاً. وفي الوقت نفسه، تظهر هذه الصورة، التي توحي بوجود اختلافات حادة تنطوي على شقوق كبيرة ذات صلة بالموضوع الحالي بعودة قوية لتركيب الهوية الجماعية وفي عين الوقت استبعاد الاخرى. يتعين على المرء أن يفكر في تهميش فرص الحياة نتيجة لاقتصاد العولمة الليبرالي الجديد، الذي لا يتكيف إطلاقاً مع التقسيمات الجغرافية العالمية. بل على الأرجح يتم تسجيل تباينات صارخة الآن بين ما يسمى مجتمعات الطبقة الوسطى للشمال المعولم. تعيش أكبر المجموعات السكانية في ظروف فقر جزئيا، ولكن على الأقل في مثل ظروف تهميش هيكلية. بالتأكيد سوف يكون هذا اختصار للجدل، القول بأن المجموعات المهمشة هي الحامل الأساسي للحركات الشعوبية اليمينية ونجاحاتها. ومع ذلك، لا يمكن صرف النظر عن وجودها ومخاطر الافقار، التي أثارتها السياسة الليبرالية الجديدة والاقتصاد الليبرالي الجديد، وتعزيز الترويج على الخوف من الأجانب والذي يستخدمه الشعوبيون عن طريق تحويل الذنب من التهميش الذي أتت به الليبرالية الجديدة إلى وصم الآخرين، بزعمهم أن هؤلاء الآخرين الموصومين عرّضوا الثروات الوطنية للبلدان الغربية للخطر، كما أن وجودهم، وفقاً لادعاءات أخرى، أدى إلى حرمان المواطنين من الوصول إلى الموارد التي يجب أن يحتفظ بها للمواطنين فقط وفقاً للقناعات الشعبوية اليمينية. وجدت نانسي فريزر (Nancy Fraser) ــ في مقال لهذا السياق المتعدد الطبقات ــ عنوانا مدهشاً وصارخاً: “استجار من رمضاء الليبرالية الجديدة المتصاعدة، بنار الشعبوية الرجعية”، تتبع فيه مثال النجاح الانتخابي الذي حققه دونالد ترامب، وتُظهر فيه، بأن طريق الشعبوية اليمينية الى الرئاسة لا يمكن تفسيره بدون سياسة ليبرالية جديدة سابقة
hamidfadlalla1936@gmail.com
No comments.
