ذكرى رحيل الحوت .. بقلم: إسماعيل عبدالله
محمود عبد العزيز علمنا كيف نحب على طريقته , و لقننا معانيه الشاملة والواسعة , المتجاوزة لحدود الاشخاص و جغرافيا المكان و الزمان , فمن منكم ايها السودانيون لا يحب محمود ؟؟ من شرقكم الى غربكم و من شمالكم الى جنوبكم ؟؟ لن يستطع احد منكم الا ان يقول : شهدنا لمحمود بانه غنى لمدينة جوبا الجنوبية , و دندن للتويا الكردفانية كما ابدع في اداء درة الحقيبة (قائد الاسطول) , اي شمول اكبر و اكثر من هذا ؟ , لقد كان الحوت حالة جميلة وبهيجة مرت بخاطرنا في عجالة و اختفت , كلمحة حسناء خرجت من خدرها فاقتنص المعجبون بها لحظة طرف غالية , ثم ما لبثت ان توارت خجلاً وحياءً داخل خيمتها , فعمر الرائعين قصير , و مليء بالامتاع والروعة و الحسن والجمال , فرحيل الحوت المفاجيء يجسده مقطع من رائعة ابو السيد (الحزن النبيل) في نص : (ما اصلو حال الدنيا تسرق منية في لحظة عشم) , فابن عبد العزيز كان عزيزاً في نفسه و كان أمنية غالية وعملة نادرة , فقدناه في وقت كنا فيه اكثر حاجة لمن هو على شاكلته حتى يضمد جراحاتنا الغائرة , وقد مارس محمود هذا الدور التطبيبي والانساني معنا زماناً , فكانت (ماتشيلي هم) بمثابة العزاء الوحيد لنا في رثاء حال الام و الحبيبة و الابنة , في صراعها العنيد مع صروف هذا الزمن اللئيم وهذا العصر الغيهب , و من اعماله (انشاء الله في ستين) ذلك الاداء المتمرد على واقع الحال المأساوي , الذي عاصره شيب وشباب الشعب السوداني , لقد كان هذا الشاب ابلغ مثال للانسان الثائر و المتمرد على حال ابناء جيله الذي لا يسر , فالحوت يعتبر ايقونة من ايقونات الثورة الاجتماعية و الثقافية السودانية الخالصة التي ننشدها جميعاً , وما قدمه يفوق مجهودات كثير من ابواق الساسة من المنافقين و المتاجرين باحلام الناس , فالثورة الحقيقية في الواقع هي تجسيد للمعاني الانسانية لتصبح افعالاً تمشي على الارض , بربكم خبروني ماهي المنظمة الانسانية التي استطاعت تمجيد شعار المعاقين مثلما فعل الحوت , لقد كانت رمزية الحرف (إكس) باللغة الانجليزية المُشكّل لتقاطع عصي المعاقين , يعبر عن انتصار هذه الشريحة المستضعفة في سوداننا الحبيب , لقد شاهدت محمود وهو يعتذر عن المواصلة في اداء اغنياته في احدى المناسبات العامة , بسبب تدخل العسكري كسّار الجبور , ومحاولته إيقاف المد الجماهيري العريض الذي يكن عشقاً وهياماً منقطع النظير للحوت , حدث ذلك عندما اكتسحت هذه الحشود العملاقة كل المتاريس في سبيل الوصول الى محبوب الجماهير , فتلك كانت واحدة من لحظات صدق محمود الانسان وليس الفنان , مع من عشقه واحبه من ابناء وطنه المقهورين بسياسة بعض الغرباء عن طينة هذا الوطن.
اسماعيل عبد الله
لا توجد تعليقات
