رسائل الدنيا الجديدة (3): (في تذَّكُر سيدي الدكتور محَّمد عثمان الجعلي) .. بقلم: بابكر فيصل بابكر
رحيل الشاعر الأديب أبوآمنة حامد. إلتقيتهُ مرَّة واحدة قبل سبع سنوات بالقرب من ميدان أبوجنزير عند موقف مواصلات الخرطوم بحري, كانت هيئتهُ تُثير الرثاء عندما تقدمت نحوه لأحييه, جسمه المنحول وثيابه الرثة يثيران الشفقة والحسرة علي حال المبدعين في بلدي. قلت له: يا أستاذ كيف حالك ؟ نظر اليّ وقال لي : أنت منو؟ قلت : أنا شخصٌ مُعجبٌ بأشعارك وكتاباتك وكمان من الأهّلة ( وتعلم أنه أول من أطلق وصف الأهّلة علي مشايعي النادي العظيم وذلك أيام مساجلاته الشهيرة مع حاج حسن عثمان وإبن البان علي صفحات الجرائد), فضحك وقال لي : هو فضّل فيها أهّلة , ثم إنصرف بعد أن أطلق ضحكته الساخرة المعهودة. كانت المرَّة الأولي التي أتاحت لي فرصة التعرف عليه عن قرب هي الحوارات التليفزيونية التي أجراها معه ” حسين خوجلي” في منتصف التسعينيات الماضية, وحسين – رغم خلافي الفكري والسياسي معه – محاور ذكي ولمَّاح بعكس ” عمر الجزلي” المتصنّع والمتكلف والمُمِل (بورنق) علي حد قول أهلنا الأمريكان. سأله حسين عن إنتمائه السياسي, فأجابه : أنا ختمي وإتحادي وناصري ( والبلد في ذاك الأوان حبيسة الثوابت الحضارية البلهاء) , وكذلك سأله عن أجمل بيت شعر قيل في الغزل, فقال له : إنه بيت “حميدة أبوعشر” في قصيدة وداعاً روضتي الغّناء : “حبيب الروح لا أقوي علي حمل الهوي وحدي”, وقد دفعتني إجابته تلك إلى التأمل في ذلك البيت الشعري, ووجدته مُحّملاً بمعني عميق قد يدركه من يحمل عبء الهوي وحدهُ بأكثر مما يُدركه من لم يُصب بالهوي ( وهل من إنسان لا يهوى؟). كان الشقيق الشيخ الحسين قد التقاهُ كثيراً في قاهرة المعز وكان دوماً يصفه بالعبقري, ووجدتُ كلمة للأستاذ الطيب صالح يتحدث فيها عن الأديب والروائي الراحل يوسف أدريس وفيها الكثير الذي يصلح لتوصيف هذا الهدندوي النابه :
نزلتُ أرض الكنانة يحدوني أملٌ ورجاء بأن أستمتع بمقامي فيها كما عوَّدتني دائماً, أغشي “زهرة البستان” وأقصد الحاج مدبولي في مكتبته ب 6 ميدان طلعت حرب, وكان ضمن خطتي لقاء الدكتور “حسن حنفي” لإدارة حوار عن موسوعته ” من التراث الي التجديد” وفيها الكثير المثير الخطر, هذا بجانب مهمتي الأساسية في بحثي المتعلق بمناهج التعليم الأزهرية, ولكن المحروسة خذلتني هذه المّرة : حسن حنفي سافر لإلقاء محاضرة في بلد عربي والرأي العام مشغول بفتوي أصدرها أحد الأزاهرة عن ” إرضاع الكبير” وأخري عن التداوي ” ببول الرسول”, فتأمل !! أنا القادم من بلد يتحدث رأيها العام عن تكنلوجيا “النينو” وعن تطبيقات نظم المعلومات الجغرافية, وهي بلد تنقل وسائل إعلامها أخباراً مثل الخبر عن تجارب اليابانيين لإستخراج الطاقة من الأرز ليحققوا إستقلالهم الذاتي من سيطرة أسعار الوقود وانعكاسها السلبي علي إقتصادهم. قرأت في صحيفة ” صوت الأمة” التي يرأس تحريرها الأستاذ أبراهيم عيسي مناظرة بين الدكتور عبد المهدي عبد القادر أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر, والباحث الإسلامي عبد الفتاح عساكر, الأول يحاول إثبات صحة حديث رضاع الكبير , والثاني ينفي ذلك ويقول بضرورة إعمال العقل في مثل هذه الأمور. قال الأول : علي نساء رجال الأعمال أن يُرضعنّ السائق والطباخ والسفرجي حتي يحرموا عليهنّ, وسأله الثاني : هل ترضى لزوجتك أو أختك أن تفعل هذا ؟ . أما الكتب المعروضة علي أرصفة الشوارع وفي كثير من المكتبات فهي في الغالب من النوع الذي يتحدث عن السحر وعذاب القبر ونقاب المرأة وأوصاف الجنة وعلاج الجنون بالتعاويذ وهلم جرا. هل هذه هي مصر علي عبد الرازق والطهطاوي وطه حسين؟ وكأن الزمان زمان الأستاذ الأمام محمد عبده الذي بلع حسرته ونقمته علي شيوخ الجمود والتكرار, وقال وهو علي فراش الموت:
No comments.
