سفر السودان والدروس المستفادة .. بقلم: شوقى محى الدين أبوالريش
يقول الإمام الشافعى في فوائد السفر:” تغرب عن الأوطان في طلب العلا….. وسافر ففي الأسفار خمس فوائد : تفريج هم، وإكتساب معيشة، وعلم، وآداب وصحبة ماجدٍ.” أما السفر إلى السودان، من تجاربى،ففيه أكثر من عشرين فائدة..وهنا لا أقصد الفائدة الآنية إنما فائدة التعلم لمستقبل ألأيام إذا كانت هناك أيام وإمتثالا للحديث الشريف “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”.
الواقعة الثانية وهى أكثر طُرفة فقد إصطحبنى في هذا المشوار أخى وصديقى سعد مع إبنه الأصغر الطفل جمال الذى سُمى على جده الأديب الكبير والدبلوماسى المعروف الأستاذ جمال محمد أحمد طيب الله ثراه، جمال هذا تابع مع طبيب الأسنان كل مراحل علاجى وهو يقف ملاصقاً للطبيب وسأله أسئلة منكر ونكير والطبيب المهذب يجاوبه وكأنه طالب طب “فاينلست” لأن أسئلته كانت بالفعل أسئلة ذكية تنم عن رغبة أكيدة للمعرفة.وعندما خرجنا من العيادة عرجنا على “السوبر ماركت” القريب وإشترى له والده قطع من حلوى الشكولاتا تلبية لطلبه..وعندما تحركت بنا السيارة أعطى والده قطعة من الحلوى وتجاهلنى تماماً و أنا الذى أجلس بجواره وعندما تثاقلت عليه وطلبت منه الحلوى قال لى بذكاء وبنبرة فيها إستنكار فى شكل نصيحة:” عمو..إنت عندك سوس في أسنانك !”.
الواقعة الثالثة.. للمحافظة على الربط سوف أعود بكم خطوة للوراء لنفس رحلة الطائرة القطرية من الدوحة للخرطوم. إذا لاحظتم في أسفاركم السودانيون هم أكثر الشعوب تحركاً داخل كبينة الركاب فى الطائرة أثناء تحليقها في الأجواء..منهم المصاب بداء السكرى، ومنهم المضطرب، ومنهم من يود الإطمئنان على عفشه،ومنهم من يريد الونسة مع صديقه في مقعد بعيد عنه، ومنهم من لا يريد شيء. ودائماً تكون الضحية هي المضيفة المسكينة تأخذ شكلة ذي الطين إذا أرادت أن تهدىء هذه الحركة لسلامة الركاب والطائرة. فى هذه الرحلة كانت هناك سيدة في متوسط عمرها تجلس مع أطفالها في المقعد الوسط في الصف الذى من خلفى..تحرك أحدهم تجاه مقعد السيدة وفتح الخزانة العلوية فوقها ليطمئن على أغراضه. وفجأة سقطت علبة لبن نيدو من أكبر الأحجام على نافوخ هذه السيدة فسمعنا صرخة مدوية أربكت كل من في الطائرة ثم راحت السيدة في إغماءة وثبات عميق تلتها صرخات وعويل أطفالها الثلاث وتجمع حولها طاقم القيادة والخدمة واحتاروا ازاء هذا الموقف ثم قرروا أن يعودوا بالطائرة أدراجها إلى مطار الدوحة لمحاولة إنقاذ هذه السيدة إلا أنه ولحسن حظ الجميع تصادف وجود طبيبة اختصاصية بين الركاب أنقذت الموقف..فحصت السيدة وناولتها بعض المسكنات وجلست عندها تسعفها حتى أفاقت من اغماءتها تدريجيا وتحسنت حالتها ثم واصلت الطائرة رحلتها بناءاً على تعليمات الطبيبة التى أنقذت الكل.وعَلمتُ فيما بعد أن الخطوط الجوية القطرية أرسلت خطاب شكر وتقدير للطبيبة المنقذة.
الواقعة الرابعة ..كجزء أساسى من ترتيبات المناسبة التي سافرت من أجلها كلفت أحد أبنائنا أن يذهب للمأذون الشرعى للمنطقة ويتفق معه على الحضور والمكان والزمان.هذا الإبن لف ودار طوال اليوم وأتانا بخفى حنين..ماذا حصل ؟ أولهم قال له : “أنا خليت الشغلانة هذه..دى ما جايبه همها !” ويبدو أنها أدخلته في مشاكل وشرطة وقضايا ومحاكم.أما الثانى فقد إختصر موضوعه وقال له : ” أنا بتاع طلاقات بس. ” ويبدو أن جانب الطلاقات أكثر في هذا الزمان وليس لديه الوقت الكافى لممارسة الإثنتين.. للوهلة الأولى إعتقدت أن إبننا يصعب الأمور كمثل إسمه الذى وُلد به أو يمزح أو لم يأخذوه مأخذ الجد لخفة دمه.. وعندما أكد لى ما قاله إستعدلت فى جلستى وأخرجت قصاصات الأوراق البيضاء والصفراء من جيبى وقد كنت في جولاتى قد قرأت إعلاناً وُضع على قطعة خشبية في قارعة طريق إمتداد الدرجة الثالثة مكتوب عليه مأذون شرعى وبه رقم جواله الذى سجلته في قصاصاتى.. فإتصلنا به وحضر في الموعد وتمت المراسم.. لكن يبدو لى أنه مأذون حالات طارئة أو مأذون شامل لا يتقيد بالتوزيع الجغرافى الرسمي لزملائه.
الواقعة الخامسة..في هذه المناسبة جاءنى صديق، وكان زميل إغتراب قديم،لزيارتى وحكى لى عن جبايات الحكومة من الأفراد والجماعات بصفة عامه ثم قصة تسجيل أرض له في الحاج يوسف ورسوم التسجيل التي كانت أكثر من ثمن قطعة الأرض. وبهذه المناسبة حكى لى أن سائق إحدى اللوارى في طريق بورتسودان الخرطوم تم إيقافه في محطة القضارف بواسطة رجال المحلية وطلب منه سداد رسوم دمغة الجريح فسددها على مضض وهو لا يدرى من هو الجريح..؟وعندما وصل محطة الفاو القريبة من القضارف طلب منه رجال المحلية، وهم بنفس الأشكال التي رآها قبل ساعة، سداد رسوم دمغة الشهيد فقال لهم بكل عفوية :” هو لحق مات !”.
الواقعة السادسة..كنت في مشوار مع صديق أخذنى بسيارته وأثناء سيرنا في شارع عبيد ختم ظهرت أمامنا ركشتان تسيران ببطء شديد بالكاد خمسه كيلومتر في الساعة ولذلك إصطف خلفنا عدد من السيارات فإستعملنا آلة التنبيه وكذلك تبعتنا السيارات الأخرى من خلفنا لكن لا حياة لمن تنادى. وعندما تجاوزناهما بصعوبة لحق بنا أحد سائقى الرقشة معتذراً عما بدر منه قائلاً لنا بالحرف الواحد ” آسف يا جماعة الخير..أنا لم أقابل صاحبى هذا منذ أكثر من ثلاث سنوات رغم أننا نعمل في نفس المهنة.. تخيلوا ذلك ياجماعة.!” فرد عليه صاحبى قائلاً له :” ترى هذا الذى يجلس بجوارى (وهو يقصدنى) هو راجل مغترب وأراه كل سنة بل أحياناً أراه مرتين في السنة.”ثم إمتد الحديث بينهما وصار ثنائياً أن المغتربين ناس مرطبين ووو.. وصارت ونسة طويلة لدرجة أن عرف صديقى منه كم ثمن الركشة ومصروفاتها اليومية وكم دخلها في الساعة و في أيام الجمع والعطلات..ومن هذه الونسة قرر صديقى أن يستثمر ماتبقى من أمواله التى عاد بها من إغترابه في أسطول ركشات وهنا لحقت به السيارت التي كانت خلفنا وهات يا شتايم وسب فينا وعلى مستر فورد الذى ركبنا السيارة ..
الواقعة السابعة..صديقى سعد جاءته إرسالية أو طرد من القاهرة مع أحد المسافرين والذى تركها عند أحد معارفه يدعى عوض ولاهمية الإرسالية أرسل سعد السائق واصفاً له المنزل وهناك إستقبله عوض خير إستقبال وهات يا فطور وشاى سادة وقهوة وونسة طويلة.وعندما هّم بالمغادرة سأله عن إرسالية أو حاجات سعد ؟إستغرب الرجل وأنكر حتى معرفته بشخص يدعى سعد و ليست لديه حاجات تخص سعد أو غير سعد..ثم دار بينهما بعض اللغط لأن السائق متأكد من الإسم الثلاثى ووصف موقع المنزل. وأخيراً إتصل بسعد حلاً للمشكلة وإتضح أن عوض أحمد حسين المقصود هو أحد جيران عوض أحمد حسين غير المقصود..مسكين السائق لقد كاد أن يدخل بين أظافره..الإسم نفس الإسم الثلاثى، البابين من حديد وضلفتين، و لونهما أخضر، والمنزلين أمامهما شجرة، والشجرتين تقف تحت كل منهما غنماية سوداء .. لقد تشابه عليه البقر والغنم..ومسكين السائق أيضاً لم يجد كلمات الاعتذار الكافية لعوض غير المقصود الذى أكرم وفادته وهو لا يعرفه.
الواقعة الثامنة..ذهبت لمعاودة نزيل في أحد المستشفيات الحكومية في منطقة العمارات وأثناء إنتظارى تحت شجرة نصف ظليلة رايت رجلاً قصيراً أشعث أغبر قصير الثياب حافى الرأس يتحدث بجواله ويمشى ويجىء من خلفى.. لم يستهوينى حديثه فلم أسترق السمع ولم أدرى ماذا كان يقول لكنه شد إنتباهى عندما أتى بقربى وعلا صوته وقال لمحدثه : ” أن زوجتى المريضة في المستشفى قد لحقت بربها الآن وأن جثتها نقلوها إلى المشرحة وأرجو ألا تخبر الأولاد حتى نرتب الأمور..وقد سألت عن الكفن وعرفت أنه يكلف ثلاثين ألف جنيه وأنا معى أربعة آلآف جنيه لكن ما مشكلة بحاولأدبر الباقى هنا.. بس إنت خليك مع الأولاد.”…هذا القول نزل على كالصاعقة وخارت قواى مما سمعت ولا شعورياً أدخلت يدى في جيبى وأعطيته مبلغ من المال يكفى لشراء عدد من الأكفان..أخذ الرجل المبلغ وذهب بعيداً عنى في صمت حتى دون أن يفتح الله عليه بكلمة من الكلمات المعهودة في مثل هذه الحالات..لكننى أعطيته العذر لعله قد ذهب إلى المشرحة أو لشراء الكفن..لكنه أفسد علىّ يومى ذاك.
الواقعة التاسعة..كنت أجوب في شوارع أطراف العاصمة وفى مناطق مختلفة منها القديمة والجديدة وما لفت نظرى وحاسة شمى هو في كل مكان أذهب اليه أشتم رائحة المشويات الشامية، ففى كل ركن وفى كل زاوية تجد مطعماً كبيراً أو كفتيريا أو كافيه أو حتى بيوت سكنية تنقلب مؤقتاً إلى مطاعم مجهزة في أوقات الوجبات فتجد نفسك جالس على طاولة طعام تأكل في غرفة النوم الرئيسية أو في غرفة الأطفال في منزل ما. وعندما تعجبّت من هذه الحالة البطونية والكم الهائل من محلات الأكل قال لى صديق مبرراً : ” المحلات كلها أصبحت مطاعم أو صيدليات أو مراكز طبية فقط عشان الناس بتاكل وبتمرض وتتعالج وهكذا دواليك..” وشد إنتباهى أكثر مطاعم السمك الكثيرة المتشرة الآن و التي أصبحت ظاهرة فقد سمعتم بعوضية سمك وهانية سمك وأسماك النيل وسمكنا وسمكك إلخ…ولوقت قريب كانت مطاعم السمك قاصرة على سمك ” السبكى” في أمدرمان وسمك ” البربرى” في الخرطوم. ثم كميات المأكل والمشرب التي تستهلك في مناسبات الأفراح و الأحزان..لماذا ؟ إدركت الآن وبما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب السودانى قاطبة لا يأكل ليعيش بل يعيش ليأكل.
شوقى محى الدين أبوالريش
No comments.
