شبح الحركة الإسلامية (2) .. بقلم: سلمى التجاني
كانت ليلة توزيع المصاحف الشهيرة علامة فارقة في مسيرة الحركة الإسلامية السودانية ، ففي الرابع من ديسمبر من العام 1990 م إجتمع الدكتور حسن عبدالله الترابي بمجموعةٍ مختارة من القيادات الهامة بالحركة وأعلن في كلمةٍ إحتفالية عن تمكُّن الدين بالسودان وعن سعادته لرؤية ثمار جهدهم ماثلة أمامهم ، في إشارة لوصول الحركة للحكم وتحولها من تنظيمٍ إلى دولة . في تلك الليلة تحدث عن تعاقب الأجيال وتبادل استلام الرايات معلناً بذلك عن مرحلةٍ جديدة تتبدل فيها وجوه القادة وتتغير أدوراهم ، ثم تم توزيع المصاحف لاولئك القادة أن ( شكر الله سعيكم ) . وبذلك استغنت عن أعضاء تاريخيين قضى بعضهم ، كما ذكر الترابي في اللقاء ، قرابة الأربعة عقود في صفوف الحركة .
فبالنسبة لمرجعياتها الفكرية ، وكما ورد في المقال الأول ، فان الحاكمية لله هي المفهوم المحوري في فكر الحركة . ويتفق الباحثون في فكر الحركات الإسلامية على أن أبو الأعلى المودودي مؤسس الحركة الإسلامية بالهند ، هو أوَّل من وضع إطاراً فكرياً نظرياً لأيدولوجيا الحركة الإسلامية ، فقدم نظرةً جديدة ضمَّنها كتابه (النظريات الأربعة ) الصادر في العام 1942 . يرى المودودي أن جوهر الألوهية هو السلطة ، تبنى سيد قطب هذه الرؤية ومضى فيها أكثر حيث وضع الجاهلية والكفر كمقابلٍ للحاكمية لله واعتبر أن الحاكمية هي التوحيد . يقول قطب في مؤلفه ظلال القرآن ( لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء هذا الدين للبشرية وانتكست البشرية بجملتها للجاهلية ) . ومن آرائه حول النظام الإسلامي والتي أثارت جدلاً فيما بعد أن الحكم لله وحده لا يشاركه احدٌ في منهجه وشرعته ، عدا ذلك فهو الشرك والكفر . فالأمر عنده إما تحكيم النظام الإسلامي أو هي الجاهلية والكفر الصراح ، ومن هنا ذهب المفكر المغاربي د. فاروق حماده إلى أن فكر الأخوان المسلمين كان منطلقاً للتطرف والعنف ، وأن تنظيم القاعدة ما هو إلا نتاج لهذه الأفكار . ربما من هنا كان الحبل السري الذي يربط حكومة الاسلاميين في السودان بالجماعات المتطرفة في تنظيم القاعدة وداعش ، فتستضيف أسامة بن لادن وتصبح البلاد ماكينة لصناعة وتصدير المتطرفين ومعبراً لهم لدول الجوار ، ويصير فيها محمد علي الجزولي الذي يعلن دعمه وتأييده لداعش إماماً لمسجد ورجل أعمال .
أما عن البناء التنظيمي للحركة ، فيبدأ بوحداتٍ أو خلايا بالأحياء والمدارس والجامعات والقطاعات المهنية ، يتم تصميمها بهرمية بحيث يكىن التصعيد من أسفل الهرم لقمة التنظيم ، لكنه عندما يصل للأمانة العامة للحركة ، حيث رأس التنظيم ، يواجه بما يمكن تسميته بالسقف الزجاجي ( Glass ceiling ) ، إن جاز التعبير ، والذي خلق أميناً عاماً أوحد لقرابة النصف قرن وحتى تاريخ رحيله ، مما جعله أشبه بالمرشد العام كما في النظام الإيراني ، أو ديكتاتور بأبعاد روحية ، فأدى ذلك لتكلس هياكل الحركة وغياب روح التجديد الحقيقي بداخلها .
No comments.
