شوق الدروَيش: قُومَة للأدبِ والفَنْ وزِيادة! .. بقلم: بلّة البكري
“History would be a wonderful thing – if it were only true”
وكنتُ قد تناولتُ رواية “شوق الدرويش” قبل فترة بعد فوزها بجائزة نجيب محفوظ في مصر العام الماضي في شغف استكشافي. تهتُ بسرعة في تكتيك “الفلاشباك” والذي طال عهدي به. عدت أدراجي بين الصفحات أكثر من مرة اتلمس طريقي وأعيد قراءة أجزاء هنا وهناك لكي أربط بينها. خاصة وقد تعودت على قراءة التقارير الفنية بحكٌم عملى حيث البساطة السردية والجمل القصيرة المباشرة التي تخلو من شراشف علم البديع وحِيَل ال”فلاشباك” وال”فلاشفوروارد” في بعض الأحيان. خلعتُ قميص التقارير الفني ووضعته جانبا. ارتديت جلبابا واسعا متمهلا وتوكلت على الحي الذي لا يموت وأنا أبحر في لجة صفحاتها التي تربو على الاربعمائة وخمسين صفحة عدا ونقدا. كنت حريصا على إكمالها. فكل عمل يستلهم أو يستوحي تاريخنا قديمه وحديثه يستهويني. فأنا على عقيدة راسخة أن ما ضاع منا ونبحث عنه الآن لاهثين في سودان اليوم، وما نعانيه من علل تذبذبات الهُوية مطمور في قيزان التاريخ من حولنا، تسفيه الرمال الزاحفة بكل أشكالها ونحن عنها غافلون! وقفت عند بعض مقاطع الرواية الصوفية:
لقد كتب الكثيرون عن رواية “شوق الدرويش” بعد فوزها العام الماضي في مصر يجائزة نجيب محفوظ. تمتلي بأقوالهم الأسافير مما يمكن الرجوع اليه في مصادره. فقد جاء عن عموميات الرواية إنها : (( .. تستلهم … أحداثها من فترة تاريخية مهمة في تاريخ السودان – فترة الثورة المهدية. تنقل كاتبها بين شخصيات الرواية الريئسية: “بخيت منديل” ذلك الخادم المسكين ورحتله الصعبة بين ردهات المدينة عبدا مسترقا أينما حل وتعلقه بالراهبة النصرانية “ثيودورا” التي أحبها وحكاية مقدمها إلى “السودان” لنشر رسالة الرب كأحد العاملات ضمن طاقم الارسالية المسيحية. يفصل الكاتب ما تتعرض له ثيودورا من آلام ومصاعب في حياتها بعد ثورة المهدي وكيف استرقوها هي الأخرى و ختنوها وغيروا اسمها الى “حواء”. ثم شخصية “الحسن الجريفاوي” الذي يبدو وجهًا آخر من وجوه أتباع المهدي ويعكس إلى حدٍ كبير طريقة تفكير الأتباع والمريدين ومدى تأثرهم باطروحات المهدية الدينية. وشخصية الشيخ ابراهيم ود الشواك التاجر الذي يلعب على كل الحبال لاشباع شهواته للمال وشهوات الدنيا. ومريسيلة وشخصيتها الوثابة النابضة كبائعة هوى شابة قذفت بها المدينة الى الازقة الخلفية)). شخصيات حيّة ضخّ فيها الكاتب من خلال الحوار الذكي روحا حتى غدا بعضهم وكأنه شخص حقيقي من لحم ودم؛ تلتقيه في ردهات أم درمان وأزقتها الضيقة وأسواقها بل تعرفه.
جاء في ختام الروايةعلى لسان بخيت منديل : ((لقد عشت حيواتٍ كثيرة يا حوّاء، أكثر مما أتحمله، ربما ما عشت طويلاً، لكني عشت كثيرًا، وما وجدت حياةً أحلى من التي كانت أنتِ .. فقط لو كنتِ أحببتني! لكني لا ألومكِ .. لقد تعلمت في حياةٍ عشتها أن الحب كالقدر، لا تملك من أمره شيئًا ..أنا آتٍ يا حوَّاء .. آتٍ .. أخيرًا ربما عرفت الآن ما كنت لا أعرفه، ربما أبرر لنفسي تعبي وتعطشي للنهاية، لكني لا أهتم . لقد تعبت، هي ساعاتٌ ويعلقوني على مشانقهم، بيني وبين لقياكِ حبل مشنقة لا تحزني، فإنما هو لقاءٌ لا فراق بعده إنما هو لقاءٌ يسكن بعده الشوق)) (شوق الدرويش، ص460)
“شوق الدرويش” عمل روائيٌ متميز ونجاح معتبر لحمّور زيادة ككاتب روائي. نجاح لا شك يجعلنا نحن بنو جلدته فخورين به كروائي شاب قادم للساحة الأدبية بثقة. فازت روايته بجائزة نجيب محفوظ في العام الماضي وشاركت في “نهائي” الجائزة العالمية للرواية العربية أيضا كأول سوداني يفعل ذلك. قادمٌ جديد من أرض مليئة بالإبداع، حد التخمة. لكنها مظلومة ومهمشة عند من نشاركهم اللسان والثقافة. أرضٌ ألّف أحد ابنائها عملا روائيا عُدّ من بين أفضل مائة عمل مكتوب في العالم أجمع وفي كل العصور جنبا الى جنب مع أعمال عمالقة الأدب في العالم. على الرغم من ذلك تكاد تكون بلاد السودان منسية في دوائر الثقافة العربية التي هي، جدلا (arguably)، أحد مكونات الهُوية )السودانوية) في شكل من أشكالها. فلو لم يفعل حمور زيادة شيئا آخر سوى لفت نظر أهل الثقافة عموما الى المعين الثر الذي نما فيه إبداعه لكفاه ذلك. برافو حمور زيادة. ولا عليك مِن مَن تاهوا في مقاصد الرواية؛ فحرية التوهان جائزٌة بل لعلها مطلوبة في الأدب والفن والرقص والغناء والشوق أيضا!
لا توجد تعليقات
