عثمان ميرغني: طيب، فلنحكم على عبود بأعماله (3/4) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
أنا شديد الاقتناع أن الخيط الفاصل في رحلة معروف من اللواء الأحمر إلى الأخضر وما بينهما هو مصرع جريدة الصراحة، التي كان ثاني اثنين في جهادها الشعبي اليساري، على عتبة نظام عبود (1958-1964). وبدأت الآفة التي أدت إلى مصرعها يوم جاء الأستاذ عبد الله رجب محرريه بعد لقاء الفريق عبود برؤساء تحرير الصحف في مساء 18 نوفمبر. وأطلع الفريق الصحفيين على ما لا ينبغي الخوض فيه. وكانت محرمات الفريق، بإيجاز، مما ألغى المهنة في حد ذاتها. قال عبود لهم: “لا تكتبوا أي شئ ضد سياسة الحكومة، ولا تنتقدوا أعمالها في الأمور الداخلية والخارجية، ولا تعلقوا على هذه الأعمال بشيء. لا تكتبوا عن الأحزاب السابقة أو الطوائف. لا تكتبوا معلقين أو منتقدين سياسة البلدان الأخرى.” وجاء الأستاذ عبد الله رجب، رئيس تحرير الصراحة، حسيراً بعد أن سمع من عبود قولاً ثقيلاً. ولما بلغ رجب محرريه، وفيهم معروف، نائب رئيس التحرير، أعلن لهم نهاية الصحافة السودانية كما عرفها. وقال عن مستقبلها في ظل الوضع الجديد: “إن مهمتنا ستكون صعبة للغاية وإن الصحافة سواء كانت الصراحة أو غيرها لن تستطيع ممارسة عملها في جو غير ديمقراطي.” واتبع النظام خطتين لإلغاء مهنة الصحافة. في الأولى عدل قانون الصحافة لعام 1930 ليجعل لوزير الداخلية حق الحياة والموت على الصحف لا معقب لأمره يعز من يشاء ويذل من يشاء. ثم أخذ الوزير يصدر محرمات جديدة لا ينبغي للصحف الخوض فيها. وتهافتت تحذيراته حتى بلغت حظر الكتابة عن انتخابات أندية كرة القدم. وعبر الأستاذ بشير محمد سعيد عن نهاية المهنة وعطالة القلم الصحفي بكلمة مستشهداً بالمتنبي:
وكانت سياسة معروف مما قام على موهبة أدبية وتاريخية نافذة. فعلى أيامه بكلية غردون تخصص في التاريخ. وقد كان بعض تدريبه أن يخرج إلى الريف يجمع مادة الروايات الشفوية التاريخية من أفواه الرواة. وقد طاف معروف بتوجيه من شيخ المؤرخين مكي شبيكة بدار الجعليين يلتقي بمؤرخيها مع زميله المرحوم محمود محمد نمر. وقال معروف إنه سأل أحد الرواة عن أغاني الجعليين فقال له: “هو متين فضوا من الحروبات والمصائب نامن يلقوا وقت للغنا”. كما صدر له في أوائل العقد الخمسين مجموعة قصصية عنوانها “مات حجر” غاصة بأخبار غمار الناس وحيواتهم الشقية الملهمة لأشواق العدل الاجتماعي. وهو الذي راجت عنه عبارة “تطير ما ترك” لعضو في الجمعية التشريعية، المعروف عنها أنها صنيعة الإنجليز، قال إنه لو غادر الإنجليز السودان لطرنا وراءهم زرافات ووحدانا: وأنشد العضو المغرم بالإنجليز أبياتاً من قريط بن أنيف:
No comments.
