فشل ياسر عرمان… (الحلقة الرابعة والأخيرة) .. بقلم: الدكتور قندول إبراهيم قندول
إنَّ إقرار ياسر بأنَّ المطالبين بحق تقرير المصير في النيل الأزرق أقلية وقلة قليلة سيُغلبون في التصويت عند الاستفتاء لا يسنده أي واقع علمي أو دراسة إحصائيَّة. فالمعروف أنَّ في السُّودان ليست هناك إحصاءات دقيقة وموثوقة بها يمكن الاعتماد عليها في التخطيط أو الاستفتاء الآن، وحين تتوفَّر تلك الإحصائيَّة يمكن بعدئذٍ الحديث عن مفاهيم الأقليَّة والأغلبيَّة، لأنَّ الواقع اليوم في السُّودان ينبغي أن يقوم على الحقوق والواجبات والعدالة دون الإفراط أو التفريط في هذه الشروط الجوهريَّة في المواطنة. فلقد عرف مواطنو النيل الأزرق الحق بأنفسهم فلن يضحك عليهم أحد مرة ثانية. فلا يخالجني أدنى شك بالوعي المتقدِّم الذي طرح به الرفاق بالنيل الأزرق قضيتهم التي لا تختلف كماً وكيفاً ومضموناً عن قضايا الهامش السُّوداني، والتي تستدعي الحلول الناجعة لها. فأهالي النيل الأزرق تواثقوا على سلام عادل يلبي مطالبهم أو مواصلة المطالبة بحق تقرير المصير، وإلا فإنَّ الحياة في باطن الأرض أفضل لهم! حقيقة وقفنا طويلاً نتمعَّن في مصوغ ما أثاره ياسر عرمان لربطه أو لنربطه بتصريحه فلم نخرج منه بما يفيد. ثم أمعنا في قراءة بيانات وتسجيلات مكتوبة ومرئيَّة ومسموعة، وتفاعلات للرفاق والرفيقات في النيل الأزرق، ولم نر أحداً غيرهم يتحدَّث ويحاجج في قضيتهم بوضوح وبمسؤولية، ومنطق سليم أفضل منهم. هؤلاء وأولئك هم أصحاب القضية، وهم الآن يطالبون بتقرير مصيرهم إن لم تتم الاستجابة لمطالبهم المشروعة عبر آلية تحقيق السُّودان الجديد الذي تنشده الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان-شمال.
ففي نبرة غير توافقيَّة حاول ياسر الغمز على حال دولة جنوب السُّودان ليصفها بالفشل، فدولة السُّودان أفشل منها، إذ ليس هناك مقارنة أو مقاربة بين دولة نالت استقلالها قبل 64 سنة وأخرى مضي على عمرها 8 سنوات و3 شهور وبالكاد ثلاثة أسابيع تقريباً، فضلاً عن أنَّها خرجت على التو من حرب استنزاف شنتها عليها دولة السُّودان، وحرب داخليَّة قبليَّة، لا تزال أصابع دولة شمال السُّودان طرفاً فيها. الإطراء الزائد في الثناء على أنفسنا، حمَّلنا نحن الشماليُّون، إلى وصف ذواتنا ب”نحن أطيب شعب، ونحن أذكى وأشطر ناس، وأكثرهم أمانة، ونحن بنينا دول الخليج وعلَّمناهم”. وأما إذا نجح واحدٌ منا وامتاز في مجالٍ معين خارج السُّودان ملأنا الأسافير باستعظام الأمر. أما في داخل السُّودان فحدِّث ولا حرج، فلا يعرف بعضنا بل الكثير من أو غالبيتنا إلا التشاجر لحد قتل بعضنا عمداً ومع سبق الإصرار وبآلة الدولة، وممارسة الاستعلاء العرقي والديني، والثقافي، والجهوي، وأكل مال بعضنا البعض، والمال العام بالباطل وإلخ… فما الفساد الماثل والحال الكئيب داخل السُّودان إلا شاهداً وصوراً حية لما نقول! وإذا سألونا وما هذا الذي يحدث في بلادكم إن كنتم كما تصفون أنفسكم؟ أجبنا: الإنقاذيون الإسلامويون هم السبب، إلا أنَّ الأديب الأريب الطيب محمد صالح – رحمة الله عليه – أضاف سؤالاً مهماً في استغراب واستنكار: و”من أين أتى هؤلاء؟”، فلعلَّهم أتوا من رحم هذا الشعب المسكين!
نلخص إلى أنَّنا قدَّمنا في سلسة المقالات الأربعة نقداً منطقيَّاً للأستاذ ياسر سعيد عرمان الذي قدَّم ويقدِّم نفسه في كل محفل أنَّ بمقدوره وحده لا شريك له، حل المشكل السُّوداني بأطروحاته وأفكاره البعيدة كل البعد عن الواقع باستخدام العقليَّة الرجعيَّة الاستعلائيَّة بإخفاء الأوضاع الفعلية على الأرض، وإظهار ما لا قيمة له للإيقاع بين الشعب السُّوداني في محيطه الداخلي والإقليمي والدولي. فالشعب السُّوداني البطل مدرك تماماً ماذا يريد، وكيف ومتى يحققه، فهو ليس جيل الثمانينيَّات وما قبل. فقد عركت الأجيال الحالية الحياة عراكاً وتمكَّنوا بجذوة الطاقة الكامنة فيهم أن يفجِّروا ثورة سلميَّة يتحدَّث وما زال يتحدَّث عنها العالم، وكما هي امتداد لثورة الهامش السُّوداني في دارفور والنيل الأزرق وجبال النُّوبة وشرق السُّودان وشماله، بل في وسط السُّودان. ففي الحقيقة شباب وتلاميذ الدمازين هم الذين أشعلوا الشرارة الأولى في 13 ديسمبر 2018م والتي لم تنطفىء، ومن الإنصاف اعتبار ذلك التاريخ يوماً ل “ثورة شباب السُّودان الحديثة” وليس 19 ديسمبر 2018م.
No comments.
