في أمر فتوى قتال النُّوبة الثانية .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
في أبريل (نيسان) 1992م أخرج فقهاء السلطان في مدينة الأبيِّض حاضرة ولاية شمال كردفان فتوى بقتال النُّوبة، وأعلنوا الجِّهاد عليهم، بما في ذلك نسائهم وأطفالهم وكهولهم وشبابهم. ومن ثمَّ أتى ذلك الإعلان بالمجازر الوحشيَّة، وتدمير القرى والممتلكات، علاوة على ما كان يتم أصلاً من قبل ضد شعب يبحث عن الإنصاف من الظلم التأريخي. وما جاء في تلكم الفتوى لم يكن مختالاً يستعصي على النَّاس فهمها. إذ إنَّها جاءت حاملة المنظور الاستعبادي وازدواجيَّة الباطل. وبعد فترة السَّلام الموؤود الوجيزة عادت الأمور إلى ما كانت عليه الحال، ليست في القتل الوحشي للمواطنين النُّوبة وأهالي النيل الأزرق بواسطة الحكومة وعملائها فحسب، بل إعادة تفعيل وسائل التشجيع على هذا القتل، وإعمال أدوات الاستكثار منه. ففي هذه المواجهة مع العنف والكراهيَّة تبيَّن لنا أنَّها مواجهة مع الحال الاجتماعيَّة والثقافيَّة الناشئة عن التوظيف السياسي للدِّين، وفي ذلك اتَّسعت المواجهة لتشمل المنظومة السائدة في الخطاب الدِّيني، والممتدَّة في المدارس والمساجد والجامعات والمؤسَّسات والأسواق كما الجمعيَّات والمجتمعات.
والحال هذه، فإنَّ على الجميع أن يعلموا إن كانوا لا يعلمون، أو يتذكَّروا إن كان لهم علم بذلك، بأنَّ الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان-شمال تتكوَّن من ثوابت ومتغيِّرات. فالثوابت هي جماهير الحركة الشعبيَّة في مناطق إدارة الحركة خاصة، ومناطق نفوذ الحكومة عامة، والجيش الشَّعبي؛ أما المتغيِّرات فهي القيادة التي متى ما رأت جماهير الحركة في مجالسها التحريريَّة الإقليميَّة أو القوميَّة والجيش الشَّعبي بدَّاً في تغييرها شرعت في ذلك دون كلل أو ملل. أما الذين انبروا يكتبون اليوم، أو استكتبوهم، عن إشكاليَّة القيادة فلم نسمع بهم أو نراهم من قبل قد كتبوا عن المجازر التي ظلَّت تقوم بها الحكومة السُّودانيَّة ضد المواطنين العزَّل والأطفال والنِّساء في دارفور وجبال النُّوبة والنيل الأزرق. فإذا كان الأمر كذلك لذلك يصبح من الضروري التساؤل حول السَّبب الذي جعل الكتَّاب التقدُّميين يحجمون عن الدِّفاع عن حقوق الإنسان الدَّارفوري أو النُّوبوي أو الفونجوي، بل على العكس من هذا كله كان كل واحد من أصحاب هذه الأسماء اللَّامعة شأن في العديد من الفنون، وبعيداً عن تفاعلهم مع الإنسان المسحوق في الهامش السُّوداني. إذ أنَّ تجاوز ثوابت الحركة الشعبيَّة، والقفز إلى المتغيَّرات في محاولات ميؤوسة لإضفاء الشرعيَّة على القيادة السَّابقة التي تجاوزتها الأحداث، يعدان تجاهلاً لحقوق الإنسان المستضعف في مناطق الاحتراب إيَّاها، واستنصاراً لغيرهم دون وجه حق، حتى ولو كانت فيهم خصاصة.
لا توجد تعليقات
