shurkiano@yahoo.co.uk
في تذكار الموسيقار محمد وردي (4 من 6) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
في تعريفه للأغنية الوطنيَّة يقول الكاتب الصحافي معاوية يس: “هي تسمية تضم تحت إهابها كلاً من النَّشيد والأغنية السياسيَّة، غير أنَّها تقتصر في الغالب على وصف الأغنيات التي نظَّمت وقُدِّمت إبَّان الفترة الاستعماريَّة”. نظراً لإرث السُّودان التأريخي الضخم، نجده مليئاً بشخوص وطنيَّة تركت مآثرها في حياة السُّودانيين. إذ لجأ البحِّاث في سبيل دراسة هذا الأمر إلى التمييز بين المنهج التأصيلي والمنهج التأريخي. وفي الأول ينطلق أصحابه من المبدأ، ويحاكمون الناس إليه، ويدافعون عن مبادئ معتقدهم دفاعاً مستميتاً حتى لا تلتبس بأعمال البشر، أو تغشاها غواشي التأريخ. أما المنهج التأريخي فينطلق من وصف التجربة البشريَّة العمليَّة، ويقيس بعضها على بعض؛ وهمُّ أصحابه هو الدِّفاع عن هؤلاء الرِّجال الذين صنعوا التأريخ حتى لا تنطمس مآثرهم، أو تنهار هيبتهم في النُّفوس.
وفي العام التالي أنشد وردي قصيدة “يقظة شعب” للشاعر مرسي صالح سراج، وإذ إنَّما يطيب بنا أن نردِّد جزءً من القصيدة والتي تقول أبياتها:
على أيَّة حال، كان أكبر حدث سياسي في تأريخ السُّودان بعد الاستقلال هو انتفاضة الشَّعب السُّوداني ضد الحكم العسكري الذي جثم على كاهل البلاد في الفترة ما بين (1958-1964م). لقد ارتأت الجماهير الأكتوبريَّة المنتفضة في تشرين الأول (أكتوبر) 1964م بأنَّه يستوجب على الذين تولوا دولاب الحكم أن يشرعوا في إحالة الحياة العامة في السُّودان إلى سابق عهدها الدِّيمقراطي قبل دعوة العسكر إلى سدة الحكم مهما يكن من شيء، وأن يخرجوهم من السَّرداب المظلم. فقد طالبوا باستقرار الأحوال السياسيَّة حتى تظهر آثارها على أوجه الحياة الاجتماعيَّة، والضرب على أيدي العابثين واقتلاع الفاسدين وتجفيف منابع الفساد، وذلك حين “هتف الشَّعب من أعماقه التطهير واجب وطني”، وقد ذهب بعضهم قائلاً – بينما كان صوت الاحتجاج مرفوعاً صارخاً عنيفاً ضد تحكُّم العسكر القساة جفاة القلوب – “القصاص بالرصاص”، وذلك في تناغم لازم للسير قُدماً بخطى عالية ونيات صافية نحو مستقبل أوفى وغدٍ مشرق. ثمَّ شدَّد السُّودانيُّون المنتفضون في ذلك الرَّدح من الزمان على الحل السِّلمي لمشكل الحرب الأهليَّة في جنوب البلاد، تعضيداً للوحدة الوطنيَّة، واستتباباً للأمن في ربوع الوطن الجنوبيَّة، وإشاعة للطمأنينة وسط أهلها، وإنعاشاً للاقتصاد القومي. وفي سبيل الحفاظ على علائق حسن الجوار، طالبت الجماعير الأكتوبريَّة المنتفضة أيامئذٍ باتِّباع سياسة خارجيَّة عاقلة وراشدة، وفي ذلك عدم الانغماس في مشكلات الجيران في حروبهم وصراعاتهم الداخليَّة. إذاً، كان أكتوبر ثورة تفاؤليَّة مثَّلت مجسَّماً أعلى من النشاط الذاتي لكافة قطاعات الشَّعب السُّوداني، الذي تراءى في الإقدام والبسالة والتصدِّي لرصاص العسكر دون وجل أو مهابة، وكان الناس مستعدين في أعظم ما يكون الاستعداد للتضحية بأنفسهم في سبيل ما يؤمنون به، وكان شعارهم “إلى القصر حتَّى النصر”، ولسان حالهم يقول “الرصاص لن يثنينا”، حتى لو خردق هذا الرصاص أجسادهم، كما أنشد ذلك الأستاذ الموسيقار محمد الأمين في ملحمته الأكتوبريَّة الرَّائعة الخالدة، والتي كتب كلماتها الشاعر الأريب هاشم صديق.
إنَّ حياة كهذه لتجعلنا نكتشف أنَّ للأشجار أصواتاً، وأنَّ في الجداول المنسابة كتباً، وأنَّ في الحجارة عبراً، وأنَّ الخير كل الخير في كل شيء بحيث لا يتضوَّر (أي يتلوَّى) يتيم، أو تتضاغي أرملة أو أحد من شدة الجوع، وكأنَّما السُّودان قد بات مليئاً بأهل السخاء ومكتظاً بأصحاب الجود، ولعلَّ الفرق بين السخاء والجود كبير؛ فالسخي من أعطى عند المساءلة، أما الجود فهو العطاء من غير سؤال.
ومن الأناشيد الوطنيَّة الأخرى التي تغنَّى بها وردي نجد أغنية “يا بلدي يا حبَّوب” للشاعر سيد أحمد الحردلو، ونشيد “يا بلادي شعبك أقوى وأكبر” للعميد (م) الطَّاهر إبراهيم، وكذلك “يا ثوَّار أكتوبر” للعميد (م) الطَّاهر إبراهيم أيضاً، وتقول كلمات الأخير:
وللشاعر الراحل علي عبد القيوم نشيد “نحن رفاق الشهداء”، ومحمد عبد القادر أبو شورة “حدق العيون ليك يا وطني”، ومبارك بشير “عرس الفداء”. فلا عجب إن اعترتنا الدهشة وساورتنا الغبطة واعترانا الرِّضا عندما نسترق السَّمع إلى ذينك الإبداع الشعري والإنتاج الفني الوردي في صحوة النَّفس، وهدوء العقل، وسكون الخيال. أو إن جاز لنا أن نقول إنَّ في تلك الأغاني التي صدح بها وردي أو الأناشيد التي أنشدها بقدمتها وجدَّتها لا تزال تسير بصدقها وعبقها زاداً في مجاهل الزمن وبين منعرجاته؛ فهي التي تمخر عباب بحر الرَّتابة، وتستنطق الوجود، وتفرُّ بالإنسان من عاديات الدَّهر، وطوارق الحاضر إلى رحابة زمنه المخضر بوجوده الفاعل في تحرُّكه بماضيه، وتواصله مع ماضيه في حركة الفعل الثقافي. ومن هنا نستطيع أن نقول إنَّ الفن الوردي سيظل امتداداً بالذات الإنساني واستشراقاً للأفق الجمالي، وذلك لأنَّ وردي اقتدر على إيقاد الجذوة الكامنة في الإنسان، واستنهض طاقاته مع طاقات موروثه الإبداعي ليلتقي مع وهج عواطف الناس أيام زمان ويوم يأتي، وذلك في تلاقح واعٍ بين المبدع والمجتمع السُّوداني خاصة، والجيران عامة. فأين يكمن الإبداع أي إبداع؟
هذا ما كان من أمر “شاعرنا محمد مفتاح الفيتوري، الذي تقلَّب بين مثلث التراث في جذوره الدارفوريَّة، والحداثة في نشأته المصريَّة، والثروة في حياته الدنيويَّة الليبيَّة.”
والفيتوري أحد هؤلاء الشعراء الذين تبدَّت به هموم الترحال والتنقُّل، حتى أمسى بحثه عن التراث السُّوداني على وجه الخصوص والإفريقي بشكل عام عنصراً أساساً في إنتاجه الفني وإبداعه الثقافي. إذ أنَّ الأمة أيَّة أمة بلا ماض ولا تراث هي أمة بلا تأريخ ولا حاضر ولا مستقبل، ولكن هذا الماضي ينبغي ألا يصير مرابياً تسدِّد له أجيال الحاضر والمستقبل، وليس من الحكمة والتبصُّر في شيء أن نفترش فراش الماضي، ونتوسَّد أخطاء وخطايا الماضي، ونغط في نوم عميق ونكثر من الغطيط. فإنَّنا لا نستطيع أن نقلب التأريخ، لكننا قطعاً نستطيع أن نتعلَّم منه ونعتبر. وكذلك أنشد وردي للشاعر محمد الفيتوري نشيد “عرس السُّودان”، الذي كان حقاً عرس السُّودان وشرفة التاريخ، وكان “راية منسوجة من شموخ النِّساء وكبرياء الرِّجال”. هكذا تدفَّقت كلمات القصيدة مدراراً وهي تقول:
وفي سنوات الغربة حين كان وردي خارج البلاد العام 1991م قدَّم أغنية “بلد رايح” للشاعر عمر الطيِّب الدوش. وفي العام نفسه كذلك أنجز وردي ملحمة وأغاني وطنيَّة للشاعر المكاشفي محمد بخيت تقول كلمات إحداها:
لا توجد تعليقات
