لا يُداخلني شك في أن العُمد والمشائخ ونُظّار القبائل الذين قاموا بمعاونة أكاديميين وفرقاء أوائل بالجيش والشرطة وتحت رعاية رئيس الجمهورية بخط رسالة إلى رئيس دولة أجنبية يطلبون منه العفو عن السجين بالمؤبد “أيمن المأمون” لكونه من أبناء منطقتهم، لا يساورني شك أن هؤلاء الأشاوِس ما فعلوا ذلك إلاّ بغرض الحصول على نصيب في المال السايب الذي تركه السجين وراءه، أو أنهم ينتظرون منه “الحلاوة” بعد وصوله سالماً إلى أرض الوطن، ودليلي في ذلك أن هؤلاء العُمد والمشائخ لم تتحرّك فيهم شعرة قبل ذلك في سبيل إنقاذ أي واحد من أبناء المنطقة وكثير منهم مظاليم يقبعون في سجون السودان وخارجه ومن بينهم من يمضي في السجن بقية عمره (بموجب مادة يبقى حتى السداد) وهم محكومون في ديون مدنية ولم يرتكبوا أي جريمة من الجرائم.
بخلاف الحالة التي يستند فيها الطلب الذي يُقدّم إلى جهة صاحبة إختصاص لإطلاق سراح محكوم لأسباب موضوعية مثل الزعم ببطلان الإدانة أو عدم سلامة الحكم، فإن الطلب حينما يكون في هيئة إستِعطاف وإسترحام للمسئول، فإنه عادة يُقدّم إما بواسطة زوجة مكلومة في زوجها أو لخوفها على نفسها من الفتنة، أو نيابة عن أنجال السجين الصغار الذين يفتقدون حنانه، أو تأسيساً على ظروف والدته المُسنّة التي تحتاج إلى رعايته، ولا تُقدّم مثل هذه الطلبات من رجال بشنبات وقادة جيوش وقمندانات شرطة ومشائخ وعُمد قبائل.
ثم أنه ليس من المألوف أن يُقدّم طلب العفو عن المحكوم بالسجن المؤبد (ويعني السجن عشرون سنة في دولة الحكم) بعد مرور إسبوع أو إسبوعين من توقيع الحكم عليه، وغاية ما يُتمنّى تحقيقه من وراء طلبات يمكن أن تستجيب لها السلطات للمحكوم بالمؤبد وبعد مرور سنوات وسنوات على بداية حكمه هو نقل السجين من مكان حبسه إلى سجن قريب من المنطقة التي تعيش فيها والدته وأطفاله حتى يتمكّنوا من زيارته بإنتظام في الأعياد والعطلات الرسمية.
الذي فات على هؤلاء الأعيان أن سلطة العفو برغم كونها سلطة تقديرية للرئيس ولكنها تخضع في ممارستها لمعايير وأسباب موضوعية، ومثال ذلك يكون العفو عن السجين لخدمة المصالح العليا للبلاد، أو العفو الذي يتم عن السجناء في أعقاب المصالحات بعد الحروب والنزاعات القبلية، أو العفو عن السجناء بمناسبة الأعياد الدينية والوطنية ويُشترط في ذلك أن يكون السجين قد أمضى فترة معينة من العقوبة وأن يُوصي بذلك مأمور السجن من واقع سلوكه داخل السجن… إلخ.
كما أن مشكلة هؤلاء الأعيان أنهم بنوا حساباتهم على تجاوب رئيس دولة أجنبية في مسائل العدالة والقانون بالقياس على رئيس جمهوريتنا، الرئيس عمر البشير الذي لديه إستعداد لأن يستقبل أيّ مجرم صاحب سوابق في قضايا غسيل الأموال بمكتبه ويقبل منه التبرعات والهدايا، وأن يُقلِّده وسام إبن الوطن البار، ويُبارك تنصيبه في قمة مؤسسات الإتصالات والأندية والهيئات الرياضية، ويفسح له المجال لتبييض أمواله بأسرع وأنجع وسيلة.
الذي جعل هؤلاء المشائخ والأعيان، ومن ورائهم رئيس الجمهورية، لا يُحسنون تقدير الموقف بحساب تقديرات رؤساء الدول الأخرى عند النظر في طلب العفو في جريمةهذا السجين وهي تتصل بقضية غسيل الأموال ورشوة موظفين في بنوك وموظفين عموميين بغرض الكشف عن أسرار حسابات بنكية للعملاء، والحصول على نسخ من سجلات ممتلكاتهم العقارية، ما جعل هؤلاء القوم يُخطئون في التقدير هو عدم فهمهم لإختلاف قياس فداحة الجريمة طبقاً لمعايير وأخلاق وثقافة البلد الذي تُرتَكب فيه الجريمة، ففي البلد العربي – مثلاً – إذا تعمّد الرجل الإلتصاق بمؤخرة فتاة داخل الأوتوبيس مع جذبها من صدرها، فإن غاية ما يحصل عليه عند محاكمته هو السجن لمدة شهر مع الغرامة عشرة جنيهات، ومثل هذا الفعل في كثير من دول أوروبا وبعض الولايات الأمريكية ينتهي بصاحبه إلى الذهاب للسجن مدة تصل لأكثر من عشرة سنوات وتعويض للضحية بمئات الألوف من الجنيهات.
