كمال الجزولي في مدني: نزع أقنعة المثقف !! .. بقلم: جابر حسين
( تقول : لماذا نحب ، فنمشي علي طرق خالية ؟ أقول : لنقهر موتا كثيرا بموت أقل وننجو من الهاوية !
لست أدري لم أعول – عند النظر إلي كمال – علي الشعر عنده ، في المعني وفي الدلالة ، أكثر من السرد ، برغم أن كمالا ثالث ثلاثة هم أعلام في الكتابة ، لم يتبعوا خطي أحد فغدت كتاباتهم لا شبيه لها سوي نفسها ، في ذاتها التي هي وجهها ، حد يمكنك أن تهتدي إليها ولو صادفتك بلا توقيعهم : جمال محمد أحمد وعلي المك وكمال . لعلي واجد في شعره صدقا وبلاغة وصورا ومعان ملونات وهن يتراقصن في دلالهن ، خارجات ، مثلما الصبايا ، من ينابيع الوعي والقلب . وأيضا ، لربما لأنني وجدت في شعره بذورا حية ورؤي وتفكرات حول ” حال ” المثقف عندنا ، ليس كما هو حاله في العنوان المتداول كثيرا في كتابتنا ” حول المثقف والسلطة ” ، بل ، وهذا هو مبحث كمال المتفرد ، ” إنتليجنسيا نبات الظل ” . لقد رأيت كيف هو قد نظر إليها و … إليه ، وكيف ، عميقا جدا تأمل ذلك الحال كله في ثنايا شعره المنشور فيما بين الأعوام 1970 وحتي حوالي منتصف التسعينيات . تجد ذلك التأمل في كل كراساته الشعرية تقريبا : ( من دفتر يوميات أمدرمان/ القصيدة الجبلية / أمدرمان تأتي في قطار الثامنة / عزيف الريح خلف بوابة صدئة ) . والحال كذلك ، فأنني أظنه قال بقوله في الشعر مبتدأ أمره ، ثم ، من بعد ، جاءت مباحثه الثلاث في ال ” إنتليجسيا ” ، وليتنا ، حتي نقرأ بالذهن والقلب ، نقرأ أولا شعره ثم نقرأ كتاب ال ” إنتليجنسيا ” من بعد ، سنكون ، علي التأكيد، قد قرأناه في الشعر بصور ومشاهد مبتكرة ورأينا صورة ” الإنتليجنسيا ” منذ بواكيرها وحتي يوم الناس هذا . في قصيدته ” فجيعة 1 ” من الكراسة الأولي ص 55 ، يقول في العام 1970 :
العام 1989 ، أيضا ، كتب لوحته البديعة : ( مثقف … صياغة جديدة لأمثولة قديمة ) يقول :
هل رأيتم هذا ” المثقف ” الذي يكاد لا يري من الكون الفسيح من حوله إلا ذاته ، حد البكاء لفرط ” خيباته ” في رؤاه المحايدة ؟ منذ ذلك الزمان ، لربما قبله أيضا ، وكمال يبحث ويتفكر في أمر ” المثقف ” ، يبحث عنه ليجده فيقتص لنا منه، إذ ينزع عنه أقنعته الزائفة ويجعله ” عاريا ” ، كما الحقيقة نفسها ، في الملأ . ظل في مسعاه لا يشغله عنه مشاغله الكثار الضخام حتي أهتدي إليه ، منزويا ملموما في ركن قصي هادئ ، في كنف الدعة والسلامة و ” التقية ” ، مثلما ” نبات الظل ” كما وصفه بحق ، وأين ؟ تحت ظلال قبعات وأحذية الديكتاتورية الغليظة ، ديكتاتورية العسكر ! لقد إنتبه كمالا في مبحثه الثالث من الكتاب ، وهو بذات عنوان كتابه ، إلي دور ووظيفة الأدب والشعر إبان الفترة التي شهدت نهاية الحرب العالمية الأولي ، ونشوء أندية الخريجين وجمعية الاتحاد السوداني ثم اللواء الأبيض . قرأ أطروحات ومباحث كثر : أبكر آدم إسماعيل ، محمد المكي إبراهيم ، عبد الخالق محجوب ، بابكر بدري وغيرهم والعديد من شعراء تلك الحقبة من تاريخنا فإنتبه ، إنتباهته الذكية للشعر، فكتب في المبحث الثالث ص 137/138 يقول عن حال الشعر والشعراء وقتذاك : ” … أما النصوص الشعرية الناقدة بجرأة ، بل وبحدة ومرارة أغلب الأحيان ، للمواقف المستخزية لبعض ( رجال الدين ) ، فإنها ، وإن اكتست عموما طابع الرفض للإستعمار ، إلا أنها اقتصرت علي محض التعبير عن غبن ( ذوي القربي الدينية ) دون أن تنتج وعيا بحقيقة الظاهرة الإستعمارية نفسها ، مع الإقرار بأنها لا تجانب بذلك وظيفة الشعر ، كما وأنها انحصرت في سوق الهجاء لأصحاب تلك المواقف دون ملامسة أي مستوي فيها أعمق من مجرد المستوي الأخلاقي ، مع التأمين علي أن ذلك قد لا يكون مطلوبا من الشعراء . وهذا ، في الواقع ، هو الملمح الأهم ، والأشد خطرا لإشكالية الشعر حين يعهد إليه ، في مرحلة معينة من تاريخ ثقافة أي شعب ، بأن يتولي وحده ، فوق مهامه الجسيمة القائمة في إحداث التفجير الجمالي للعاطفة واللغة معا ، بمهمة إضافية – ليست من جنسه – هي صياغة الفلسفة والرؤي والنظريات السياسية والدينية وما إليها . فليست المشكلة في الشعر ، إذن ، أو الشعراء ، وإنما في حركة الفكر حين تجعل من الشعر صورتها الرئيسة ، دع عنك أن تكون الوحيدة . لقد انطلقت تلك التعبيرات الشعرية ، ليس فقط من موقع مثقفي ( المعاصرة ) ، بل ومن موقع مثقفي ( التراث ) أيضا ، بجامع خصيصة التمرد لدي بعض رموز الفريقين . ) …هكذا ، إذن ، بذر كمال بذوره في الشعر ، ثم ، من بعد ، كانت صياغاته الفكرية وتأملاته في ال ” إنتلجنسيا ” وفي ” عتود الدولة ” وبقية مباحثه . لكن ، والحق يقال ، لم أري تأملا عميقا في شأن الإنتليجنسيا ، وهي تحت حذاء الديكتاتورية ، في شعرنا إلا لدي كمال وديشاب الذي كتب عقب إنقلاب الجبهة القومية الإسلامية مباشرة في 1989 في لوحاته ال 32 في مخطوطة كراسته الشعرية التي لم تطبع وتنشر في الناس بعد ، كتب يقول في اللوحة 32 الآخيرة :
و … تبقي كلمة ، أن الكتاب ، في مباحثه الثلاث ، هو دعوة حقيقية للتفكر في حال المثقف عندنا ، ومحاولة جادة لإيجاد مخارج من ” ورطة خيبات ” كثيرة تحيط به ، حد تكاد تقعده ساكنا مشلولا عن الحراك والتواجد في صفوف الثورة السودانية القادمة ، هو ، أيضا ، دعوة للحوار ، ضجة عارمة ، لكنها لأجل الشعب والوطن .
No comments.
