في كتابه ( الصراع القومي والطبقي في القرن الأفريقي) يناقش البروفيسور الاثيوبي جون ماركاكوس الاستاذ بجامعة اديس خارطة الصراع في منطقة القرن الأفريقي ويسلط ميسم البحث علي خصائص هذه الصراعات علي المستوي الطبقي، ورغم انه جعل مرتكز بحثه عن السودان في قضية الجنوب الا انه في المقابل قدم تحليلا متميزا في تكوينات الصراع الداخلي في اثيوبيا وجيبوتي واريتريا.
ولعل الباحث المدقق لا تكتمل أدوات بحثه في استخلاص الخصائص الثقافية والعوامل التاريخية لتكوينات الهوية في اثيوبيا والسودان الا بمراجعة كتاب القس ترمينغهام. ( الاسلام في اثيوبيا) وصنوه ( الاسلام في السودان) الذي
جعلت منه النخبة منفستو لتخليط الهوية والتدين في السودان ، بين دين شعبي يمثله التصوف وهو خليط من عقائد الدين والطقوس والعوائد الافريقية، ودين ارسذوكسي نقي لم يتطفل عليه التخليط . وجعل ترمينغهام ومعه بي. ام. هولت من النقاء العرقي والصفاء المذهبي في السودان أسطورة لا تقوم علي حقائق التاريخ.
كان مطعم ( ابسينيا الثقافي) وتعني الحبشة في اللغة القديمة ، في قلب العاصمة اديس ابابا كقلعة ألبرت هول في قلب لندن يعج بالزوار ، وما ان ينتظم إيقاع الموسيقي وتهتز اجساد الراقصين حتي تنساب روائح البهار الحار ، وأطباق الانجيرا ، لتجعل من كل هذا الخليط هوية جديدة لاثيوبيا في عالم الحداثة الكوني.
كان استاذ الموسيقي بكلية الموسيقي والمسرح يقود الكورال المشهور، وكانت أصابعه ترتاح علي الإيقاعات الصاخبة وهو يعد أنواعها خلسة، وعندما انتهي العرض قال لمضيفه انني عددت ثلاثة إيقاعات مختلفة فقط ولدينا في السودان عشرات الإيقاعات بما يعني اننا اكثر ثراءً في التنوع الموسيقي والإيقاعي. لكن السؤال الأهم ، كيف جعلت اثيوبيا من غنائها وموسيقاها وتراثها رغم محدوديته عنوانا لتاريخها و حضارتها وهويتها في جميع اصقاع العالم، ونحن رغم ثرائنا الثقافي والموسيقي فشلنا في ان نجعل من هذا التراث والموسيقي دالة حضارية علي وطن يسمي السودان؟
ما اجتمع نَفَر من اهل المعرفة والثقافة حتي جرت المقارنة بين نجاحات وإخفاقات تجربتي اثيوبيا والسودان في مجال النهضة والتقدم خلال العشرين سنة الماضية وسلط بعض اهل الفكر من المهمومين بسؤال النهضة أدوات بحثهم للإجابة علي سؤال افتراضي حول لماذا تتقدم اثيوبيا ويتقهقهر السودان؟ . ولعل الدراسة الأشهر هي ما اصدره الدكتور النور حمد بين غفوة مارد السهل وصحوة مارد الجبل ، ورد البعض ما ظنوه نجاحات اثيوبيا وإخفاقات السودان لعوامل الثقافة والتاريخ والديمغرافيا. ويجد هؤلاء امثلة حية لتبرير منطقهم اذ تجد الخطوط الاثيوبية تتسيد سماء افريقيا بأسطول يضم احداثٍ الطائرات وتقبع سودانير في خيبتها التاريخية بأسطول لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، رغم إنهما تأسستا معا في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي عام ١٩٤٧.
يربط البعض بين صورة اثيوبيا الراهنة وعمقها التاريخي الذي جعلها مركزا لاعرق الحضارات في العالم القديم، وانها ظلت عصية علي المستعمر ، لذا فإنه رغم اثار الحداثة في اثيوبيا الان من حيث المعمار و أساليب الحياة و منتجات الحضارة الحديثة الا انها تحتفظ بهوية ثقافية عميقة وأصيلة لم تتبدل بمرور السنون وتقلبات الحوادث والعصور تجدها بائنة في المأكل والملبس والموسيقي والرقص وأسلوب الحياة. لذا تجد في كل عاصمة دولية سلسلة من المطاعم الاثيوبية تقدم الانجيرا والموسيقي والغناء وتبيع المنتجات اليدوية والتراثية. في المقابل من الصعب ان تجد مطعما سودانيا بالمعايير المقبولة في اي عاصمة عالمية هذا فضلا ان يقدم الموسيقي السودانية، وذلك بسبب جوهري وهي ان الشخصية السودانية في المغتربات والمهاجر لا تميل الي التجارة والأعمال لعدم احتمال عامل المغامرة والخسارة ، ولذلك فهي تميل للوظائف والعمالة بحثا عن الامن المالي والوظيفي دون التعرض لمخاطر ومغامرات لا يحتملها البناء الهش للشخصية السودانية. مقابل هذه الهوية الاثيوبية المتماسكة و العميقة وتطورها لتكون مصدر فخر وطني نجد ان الهوية السودانية رغم عمقها التاريخي وثرائها وتنوعها الحضاري الا انها تعرضت لحملة شرسة من التشويش والتجريف السياسي بفعل الصراع ، اذ جعل منها البعض هوية للوسط النيلي حاول ان يخلعها بقوة الجبر والاكراه لبوسا علي بقية أقاليم السودان الاخري. ولا تجد لمثل هذا القول مماثلا في خطاب النخبة الاثيوبية رغم تاريخ الصراع العنيف. فصراع السلطة والثروة في اثيوبيا قاد الي توتر وحروب بين القوميات الاثيوبية ، الا ان هذا الصراع لم يمس الهوية الاثيوبية الجامعة، علي عكس تجربة الصراع في السودان التي أفرزت خطابا جهويا رافضا لهوية السودان التاريخية لانها ترتكز علي بعض إرث الوسط النيلي. ولعل الفرق الجوهري هو قيام هذه الهوية علي قاعدة القوميات في اثيوبيا وقاعدة القبيلة في السودان.
ما الذي جعل (الانجيرا) طبقا عالميا في شارع ١٨ بواشنطون يطلبه الأمريكيون والاوربيون ، و (الكسرة) السودانية طبقا معزولا في مطعم ( الخرطوم) بناحية الشارع لا يغشاه الا من استبد به الشوق لرائحة ام درمان من اصحاب العيون العسلية؟
لعل اللحظة التي تعطل فيها محرك الطائرة الصغيرة التي كان يقودها الفاتح عروة وهي تحمل في جوفها الزعيم الاثيوبي الراحل مليس زناوي وهو في طريقه لتسلم مقاليد الحكم في اديس ابابا تختزل تعقيدات العلاقة التاريخية القائمة.
كان في معيته بالطائرة في تلك الرحلة التاريخية ايضا احد كبار قادة الثورة ( فسيحا) الذي عمل سفيرا لبلاده بعد حرب التحرير في واشنطون ونيويورك وبرلين.
كان فسيحا يتذكر تلك اللحظات ويضحك، اذ ساهمت تلك العلاقة بينه والفريق الفاتح عروة في تجاوز الصعوبات التي اكتنفت العلاقات و هو يعلن في الامم المتحدة عام ١٩٩٧ ان اثيوبيا توافق علي إسقاط العقوبات الاممية علي السودان.
خرجت صحيفة ( الواشنطون بوست) في منتصف عقد الألفية الثانية بخبر في قسم الاقتصاد والأعمال يؤكد ان بنك التصدير والاستيراد الامريكي وافق علي منح الخطوط الجوية الاثيوبية قرضا طويل الأجل لتمويل صفقة طائرات. ( دريم لاينر) الجديدة التي أنتجتها شركة
بوينغ الامريكية. كان السفير فسيحا يوقع العقد وهو يبتسم لانها إشارة مؤكدة من واشنطون انها اختارت اثيوبيا لتكون الدولة الأولي بالرعاية ومركز الاستقرار والشريك الأساسي في منطقة القرن الأفريقي.
الزائر لمكتبات اثيوبيا علي قلتها يجدها فقيرة من مؤلفات النخبة مما يشير الي انه شعب يعتز بهويته و يعشق التراث والغناء ويجيد فنون الحرب والتضحية لكنه لا يهتم بقضايا الانتاج الفكري والثقافي، ولا يضيع وقته في النقاش السفسطائي حول الأيدلوجيا والديالكتيك وافق المشروع الحضاري. منذ ان قال مكي شبيكة مقولته الشهيرة حول صراع المثقفين منذ مؤتمر الخريجين وحديث البروفيسور محمد عمر بشير عندما وصف المثقف السوداني بالميل للسفسطة والرومانسية وحديث البروفيسور عبد الله الطيب عن تفشي الحسد وتكاثر الغرماء و نقد منصور خالد عن فشل النخبة واهتمامها بتكريس امتيازات الدولة لنفسها دون الاستثمار في المستقبل يوضح ان النخبة السودانية لم تخرج من غيبوبتها التاريخية بعد وانها فشلت في بناء دولة حديثة ومستقرة في السودان.
لخصت كلمة روبرت هاو اخر حاكم عام في السودان في حفل الوداع التي ترجمها ببراعة الدكتور الهاشمي اهم تحديات النخبة اذ قال: ” أستطيع القول هنا إن هذه الاختلافات والفروقات هي مصدر تحدي كبير للبلاد وحيويتها، وستظل كذلك في ما يقبل من سنوات. تتطلب مواجهة هذه التحديات التزاما صارما ينبذ الأنانية من أجل تحقيق هدف مشترك هو التنمية الشاملة للأمة السودانية بكل مكوناتها واكرر هنا وأؤكد على “كل مكوناتها”و لابد من توفر أكبر قدر من المهنية والتجرد وسلامة المقصد عند الجهات الحكومية والإدارية عند مواجهة هذه الاختلافات بين شعوب السودان. يتطلب حل المشاكل المترتبة على هذه الاختلافات قدرا كبيرا من الحنكة والفهم والتسامح” .
مراجعات في سؤال الهوية والتنمية بين اثيوبيا والسودان .. بقلم: خالد موسي دفع الله
مع براعة الشعب الاثيوبي في نشر ثقافته وتراثه وغنائه وطعامه بفعل الهجرة والانتشار في اصقاع المعمورة المختلفة الا ان السودان يتفوق عليه في درجة الوعي السياسي و الحراك الاجتماعي اذ يختزن المجتمع السوداني حيوية دافقة في نسيجه الاجتماعي وتنوعه الثقافي ، كما ان درجة الوعي السياسي في السودان ساهمت في إنجاز ثورتين شعبيتين لتغيير نظام الحكم بينما حسمت اثيوبيا طوال تاريخها الصراع علي السلطة بالحرب والدماء فقط. لكن في المقابل فان قدرة الشعب الاثيوبي علي التضحية وشكيمة الحرب أقوي كما اتضح في مقاومة نظام منقستو كما ان دور المرأة اكثر بروزا وأظهر اثرا في مظاهر الحياة العامة علي عكس تجربة السودان بفعل الثقافة والقيم الاجتماعية السائدة وطغيان الثقافة الذكورية هذا رغم ان تجربة السودان تعتبر متقدمة علي نظيرتها العربية في المنطقة.
لا توجد تعليقات
