وتستمر الهبة الشبابية .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد
ولماذا لا تفضي حوارات ومفاوضات الحكومة ومعارضيها إلى حلول جذرية لمشكلات السودان؟، إلى غير ذلك من الأسئلة الأخرى المتعلقة بفشل نظام الإنقاذ في إدارة السياسة والإقتصاد، وبالفساد المتفشي بصورة ممنهجة ومؤسسة في البلاد، وبضنك الغلابة وشظف العيش وقتامة المستقبل، وبإصرار قادة البلاد على مضاعفة أسعار المواد الضرورية للحياة، كالأدوية، غير آبهين لغضبة الحليم. لكن، كل هذه الأسئلة المثارة، يتخللها السؤال الرئيس: لماذا يصر قادة هذا الزمان على مقارعة شعوبهم، فيرفضون التنحي الآمن ؟.
إغترت السلطة بردة الفعل الضعيفة تجاه الدم المسفوح لشباب سبتمبر/أيلول 2013، والذين خرجوا إلى الشوارع غير مسلحين إلا بهتافات الحناجر ضد زيادات الأسعار. يومها تجشأت السلطة فرحة حين ظنت أنها أخمدت شعلة الإنتفاضة، ولم تكن تدري إستحالة أن تطفئ جذوتها. وتفاجأت السلطة اليوم، عندما أعلن شعب السودان، صراحة، رفضه مواصلة التفرج على خشبة الحياة وهي تتهاوى في كل بقاع الوطن، وقرر ترجمة هذا الرفض إلى هبة جماهيرية كاسحة، لا يقودها ولا ينظمها ولا يستغلها أي حزب أو تنظيم سياسي، وحظيت بإجماع شعبي، ربما الأول من نوعه في تاريخ السودان المستقل. إنهم ذات شباب «النفير» الذي هب يومها لدرء كارثة السيول والأمطار، وذات شباب مساعدة المرضى المحتاجين في شوارع أقسام الطوارئ والحوادث بالمستشفيات، وذات شباب الصدقات وإفطار الجوعى والمعوزين في شهر رمضان وغيره، وشباب جلسات التلاوة والتفسير، وشباب المساجد عقب صلاة الجمعة، وذات شباب عديل المدارس، وشباب الأندية والجمعيات الثقافية، وشباب فرق «الكورال» الموسيقية والفرق المسرحية…، وغيرهم، تنادوا من كل فج عميق مطالبين بالتغيير لأجل تحقيق ذات الهدف في الحرية والسلام والعدالة والعيش والكرامة. والشباب المنتفض في شوارع السودان، تخطى وصفات الثنائيات الكلاسيكية، من نوع يمين ويسار، أو رجعي وتقدمي، أو علماني وديني، وغيرها، ليؤكد تمدده ليضم كل الشرائح السياسية والإجتماعية والثقافية والدينية وحركة المجموعات الإثنية والقومية…الخ، وليضم أيضا بعض المجموعات الخارجة على النظام، والتي أعلنت خطل ما كانت تسير عليه، وقررت نفض يدها عن النظام، مبدية إستعدادها للمساهمة في معارك التغيير ومعارك الحفاظ على الوطن. وعلى الرغم من إختلاف المصالح ووجود نزاعات قائمة، مع إتساع وتنوع هذه القوى، فإن قيادتها لا بد أن تأتي تعبيرا حقيقيا عن هذه التركيبة الجبهوية الواسعة والعريضة، ولا مجال لسيطرة هذا المجموعة أو تلك الفئة. وفي سودان اليوم، الوضع لم يعد يحتمل إعادة انتاج خطاب القائد وإيماءات الرعية، سواء على مستوى الحكم أو مستوى المعارضة. وزمان القائد الواحد ذي السلطة المطلقة قد ولى، ومعاملة جماهير الشعب وكأنها قطيع يساق حيثما يشاء الراعي، أصبحت في حكم المستحيل. ولا مناص من القبول بحقيقة بروز أكثر من قائد، في أكثر من موقع ورقعة، يمكن أن يعمل مع الآخرين لإحداث وإنجاز فعل التغيير. ونحن عندما نتحدث عن ضرورة الإبداع والإلهام في قيادة قوى التغيير، فإن من ضمن ما نقصد هو كيفية تجسيد التكامل بين تلك القيادات المتعددة والمتنوعة.
No comments.
