يودال شيخ الغردونيين في فتيل: ثورة رفاعة الثانية (1930) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
دايماً لطيف وباش للعُشَمَا والطلاب
كان عثوري على هذه الأبيات ومناسباتها ثمرة اهتمامي بشخصية المستر يودال ومنزلته بين السودانيين في إطار بحث أريد به نقض رواية تاريخ السودان في ظل الاستعمار الإنجليزي (1898-1956) كما وصلتنا من دعاة وقادة ومؤرخي صفوة الحركة الوطنية والاستقلال. ومثل هذا النقض رائج وذائع على زماننا هذا في الكتابات التاريخية عن تاريخ البلدان المستعمرة كالسودان. وأميز مدارسه هي المدرسة الهندية المسماة بـ الـ SUBALTRAN. وأترجمها بدون تكلف بمدرسة “الرجرجة”، أي التي تريد أن تكتب تاريخ الأمة لا من زاوية الخاصة من صفوة الحركة الوطنية بل من زاوية عامة الناس ممن كان يسميهم المرحوم عبد الله رجب، محرر جريدة الصحافة الثورية في الخمسينات، بـ “الأهالي الغبش”. ومدرسة الرجرجة تأخذ على الصفوة أنهم، في سياق تمجيدهم لمقاومتهم للاستعمار، هونوا من شأن تأثير الاستعمار وتغلغله في أدق خلايا البلدان التي وطئها. ففترة الاستعمار في عقيدة هذه المدرسة ليست حلماً مزعجاً قصيراً صحت منه الأمة بفضل الوطنيين لتعود إلى سابق تاريخها ببراءة وببساطة.
للحكم المقدور قولو السمع والطاعه
وكان مقتل الشاعر هو الشطر الأخير. فقد استغرب أهل بلدة رفاعة هذا التطفل الاستعماري على نسائهم. فحتى بابكر بدري، الذي هو بحق رائد تعليم المرأة السودانية في تلك المدينة بالذات منذ عام 1905، استعجب قول الشاعر هيللسون “الرجل العاقل الرزين المستعرب” أن بنات بلدة رفاعة يغضبن لسفر يودال. وكان بابكر بدري حسن الظن جداً بهيللسون. ومع ذلك غضب حين قرأ الشعر، وذهب إلى مكتب هيللسون يستفسره جلية الأمر. فقال له هيللسون إنه يتأسف جد الأسف في انعكاس غرضه فيما قال. وزاد بأنه كان يظن أن قوله هذا يسر سكان رفاعة، وأنه قلد النغمة السودانية التي تعبِّر عن فقد الرجل النافع في بيته وقبيلته على لسان النساء. ونبهه الشيخ بابكر بدري إلى أن مثل هذا القول مستنكر من غير ساكن رفاعة ناهيك عن فبوله من أجنبي مثله. والتمس هيللسون من الشيخ بابكر بدري أن يعتذر بلسانه إلى أهل رفاعة. وكان هيللسون بأمس الحاجة إلى هذا الاعتذار لأن أهل رفاعة، عامهم وخاصهم، كانوا متذمرين من القصيدة خشية أن تحمل جريدة الحضارة بكاء حريمهم على أجنبي كافر إلى القاصي والداني.
No comments.
