كان سقوط الاتحاد السوفيتى حدثًا سياسيًا كبيرًا بالنسبة لنا فى العالم الثالث، لكنه لم يكن بنفس التأثير الفكرى فى الغرب. والسبب أن المجتمعات الغربية كانت قد تجاوزت منذ وقت طويل النسخة السوفيتية التقليدية من الماركسية، واتجهت نحو أشكال أكثر انفتاحًا وتطورًا من الفكر اليسارى والديمقراطى.
ففى أوروبا وأمريكا لم تنتشر الماركسية اللينينية المرتبطة بالأحزاب الشيوعية بقدر ما انتشرت تيارات فكرية أكثر عمقًا وإنسانية، مثل أفكار مدرسة فرانكفورت وكتابات ماركيوز وإريك فروم وألتوسير، وهى كتابات اهتمت بالإنسان والاغتراب والثقافة والحرية، أكثر من اهتمامها بالشعارات السياسية والصراع الاقتصادى التقليدى. وحتى حزب العمال البريطانى العريق لم يقم على تراث ماركسى لينينى، بل على تقاليد يسارية إنسانية ذات طابع فيبرى وديمقراطى.
أما فى السودان والعالم العربى، فقد ظل جزء كبير من اليسار مرتبطًا بالنموذج السوفيتى القديم، لذلك بدا انهيار الاتحاد السوفيتى وكأنه انهيار لفكرة كاملة. ومن هنا جاءت ما عُرفت داخل الحزب الشيوعى السودانى بـ«المناقشة العامة»، التى انتهت ــ فى نظر كثيرين ــ بحسم إدارى أكثر منه حسمًا فكريًا. وقد وصفها المرحوم الخاتم عدلان بصورة ساخرة حين شبّهها بالسياف الذى يهمز الجنب بطرف السيف حتى ترتفع الأعناق ليسهل قطعها.
بينما كان الغرب قد تجاوز هذه المرحلة منذ ستينات القرن الماضى، ظل النقاش عندنا يدور داخل أطر قديمة ومغلقة، لأن الأزمة لم تكن سياسية فقط، بل ثقافية واجتماعية أيضًا. فالمجتمع الأبوى وثقافة الوصاية والانقسام الحاد بين الحداثة والتقاليد جعلت كثيرًا من المثقفين يعيشون حالة تمزق بين عالمين مختلفين.
ولهذا فإن مفهوم اليسار فى الغرب يختلف جذريًا عن مفهومه فى منطقتنا. فالماركسية هناك أصبحت مجرد أحد مكونات الفكر اليسارى، وليست عقيدة مغلقة أو مرجعية وحيدة. كما أن التحليل الطبقى لم يعد منفصلًا عن التحليل الثقافى والاجتماعى، لأن أى ظاهرة إنسانية لا يمكن فهمها خارج سياقها الحضارى والثقافى.
لذلك فإن الحديث عن الماركسية فى العالم الناطق بالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية يعنى واقعًا فكريًا وثقافيًا مختلفًا تمامًا عما عرفته الأحزاب الشيوعية فى منطقتنا العربية والأفريقية. نحن هنا أمام عالمين مختلفين: أحدهما نشأ داخل مجتمعات ديمقراطية ومنفتحة، والآخر داخل مجتمعات أنهكتها الثقافة الأبوية والوصاية الفكرية.
ولعل ما أورده الدكتور حيدر إبراهيم على ــ شفاه الله ومتعه بالصحة والعافية ــ يلخص هذه الأزمة حين نقل تعليق إدوارد عطية عن معاوية نور، إذ قال ما معناه إن الرجل يعيش ممزقًا بين عالمين: عالم للنساء وآخر للرجال.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
