لماذا تركت الحصان وحيداَ يا صديقى .. بقلم: عبد السلام سيد أحمد
عدا العمل السياسى والطلابى، أظن جمعنى بابى بكر شغف بالشعر وبالتاريخ، وبالطبع لكلانا ولع بالصوفية والمتصوفة، غير أنه شرّق وغرّب فى هذا المجال وأبحر بعيداً فى لجج التصوف، بينما ظللت أنا أداعب الأمواج على الشاطئ. أذكر كنا مرة فى مقهى النشاط اياه، أبوبكر وشخصى وبعض الأصدقاء أذكر منهم محمد عباس محمدعلى، وقتها ردّدت بيتاً لمحمد المكى ابراهيم من قصيدة أمتى الشهيرة، فرد على أبوبكر مباشرة بالبيت الذى يليه، وهكذا فضينا معظم الأمسية نرتّل أشعار ودالمكى مطارحة أوسوية وسط تشجيع الحاضرين. وقد لاحظت اقتباس أبوبكر لأبيات من محمد المكى ابراهيم فى ما خطّه فى أواخر أيامه: “أمدد نحوكم كفى عريانيين الا من معزتكم…”؛ أسمح لى يا صديقى أن أضيف:
أعجبنى فى أبوبكر عنايته الفائقة باللغة، وقد لحظ ذلك كل من قرأ له؛ على أن مايميز لغة أبوبكر سلاستها وانسيابيتها، فكثيراً ما يحدثك حديثاً يومياً عادياً ولكن بفصاحة تخلو من التقعر والاصطناع؛ ذخيرته من النوادر والحكايات لا تنفذ، لذا لايمل جلسائه الاستماع اليه يبحر بهم فى فضاءات متشعبة فلحديث معه دائماً ذو شجون. ومع ذلك لاأرى أنه استثمر تلك الخصلة الشهرذادية فى اجتذاب قلوب الحسان من بنات حواء؛ من يدرى ربما كان وجد توأماً لروحه المتمردة من الجنس اللطيف. غير أنه ظل “العازب المطبوع” كأنه احدى شخصيات تشارلس دكنز، أو الطبرى فى زمانه. والمشترك مع الطبرى يتعدى العزوبية، رغم أن فقيدنا – على عكس الطبرى – لم يخلف لنا مجلداً تلو الآخر، وان كان بمقدوره فعل ذلك، ولكنه حال السواد الأعظم من مثقفى البلاد اذ تهدر طاقاتهم وتتسرب سنى أعمارهم فى هذا وذاك ولايخلفون ورائهم الا النذر اليسير مما يمكث فى الأرض.
نعم، عنوان هذه القطعة مقتبس من قصيدة درويش – ملحمة الرحيل – ” لماذا تركت الحصان وحيدا” ولكن بشيئ من التصرف، وهى القصيدة التى يقول فيها:
بيروت
لا توجد تعليقات
