منصور خالد والفجر الكاذب .. بقلم: د. حمد عبد االهادي
هنالك ثلاثُ مواقف أساسية شكلت مسيرة منصور خالد السياسية وجميعها تتسم بالراديكالية و صعوبة الفهم في سِياق أحداثها التاريخية ، كان أولها عودته من فرنسا وقبوله مناصب سياسية رفيعة في إنقلاب مايو 1969م ، فالإنقلاب تمَّ على أنقاض الشرعية الديمقراطية الهشة التي كان من أبرز الناقدين لها ، و على الرغم من أن الديمقراطية الوليدة عقب ثورة إكتوبر كانت ضعيفة و مهتزة، كان الأوْلَى بالمثقفين و المتعلمين أن يدعموها بالإرشاد القويم حتى يقوى عودها و تشدّ لا أن يكونوا معولاً لهدمها ، فإنتقادات الرجل في “حواره مع الصفوة” ، شكلت بعض المبررات التي استند عليها قادة الإنقلاب في أهمية إحداث اختراق سياسي ثوري ، و ليس هنالك أبلغ من دليل عن احتفاء الثورة المزعومة بالرجل من دعوتها له للانضمام لركبها في أولى سني عهدها ، و رغم أن منصور خالد في ذاك الوقت كان قد وصل ثُريا القانون الدولي ، و عاش فترة كافية في دول ديمقراطية راسخة كالولايات المتحدة و فرنسا ، إلا أنه لم يجد غضاضة في المشاركة في نظام شمولي : عطّل الدستور و سجن السياسيين و أراق دماء المئات من المعارضين لحكمه ، ليس هذا فحسب فالإنقلاب تعرض لمحنة سياسية بعد سنتين من حكمه بإنقلاب مضاد كان نتاجه التنكيل بقادته العسكريين و قتل داعميه المدنيين في محاكمات شابها الكثير من غياب العدالة المرئية التي يعرف الرجل القانوني أهميتها في بِناء الدولة الحديثة.
في كتاباته السياسية الأولي ، اسْتلَّ منصور خالد قلم سيفه البتّار فحَملَ علي أهل الإسلام السياسي فدك حصونهم دكاً وكشف بوار بضاعتهم وسوء مقصدهم ، ثم عطف علي رفقاء اليسار مشتتاً شملهم مبيّناً خطل فكرهم وغُثاء منهجهم ، ثم لم يلبث أن ناءَ بكلكله علي وسط الطائفية السياسية فحمل عليهم يحمّلهم جُلّ أوزار الفشل الوطني والسياسي. بعد أن إنتهى المفكر السياسي من واجب المبارزة الوطني ، برز للساحة العالمية فركب موج محاربة الرأسمالية و الإمبريالية التي أقعدت الشعوب النامية ، وإذا حسبته يسارياً إشتراكياً تعجبت من سخطه من المعسكر الإشتراكي الذي خدع شعوب العالم الثالث بتجارب عصيّة التطبيق . لم توثق بواكير كتاباته من إعجاب بالديمقراطيةّ وتطبيقاتها رغم أنه قد ذاق طعم حلاوتها في بواكير حياته الأكاديمية و العملية 5 . مجمل القول أن الرجل ثوري ، ساخط وناقم علي الفشل ، متطلع لحياة ووضع أفضل ، يبحث عن الكمال و التفرد حتي أنهكتاه . يمتاز بروح متمردة وثورية انعكست على كتاباته وليس من العسير أن تستنبط بعض المرتكزات الإشتراكية المعتدلة التي كانت فاكهة ذاك الزمان التي ربما تأثر بأفكارها عبربعض أفراد أسرته المثقفين . يستدل على ذلك البعد الفكري بمواقفه العملية التي قبلت الزواج من حكومة مايو التي قامت علي أنقاض الديمقراطية الهشة و بشرّت بإشتراكية ثورية تستنهض الوطن وتبسط أركان التغيير الإجتماعي المنشود ، ومن ثمَّ الحركة الشعبية التي قامت على مرتكزات إشتراكية لا تخطئها العين.
*******
4- قد لا يعلم الكثيرون أن عبدالله خليل كان من رواد ثورة عام 1924 م التاريخية التي شكلت وجدان الحركة الوطنية السودانية ، وصفه منصور خالد بأنه رجال في قلب رجل .
No comments.
