أبوعبيدة حسن “نسيم روض وعقد جواهر ستظل ذكراه باقية” – عليه رحمة الله فى عليين  .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة 

فى الليلة “الماسية” هذه المرة لم يزرنا الطيب من الجناين لانها اليوم هي حزينة لغيابك يا نسيم الروض الباسم وكنت فى وداعة الطفل الخدج ، للأسف زارنا طيفك “خيالاً”  يحمله الخبر الحزين “موتك” يالفنان الزاهد االفقير إلى ربك ” يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي فى عبادي وادخلي جنتي” صدق الله العظيم . أبوعبيدة حسن  نزل إلى الدنيا فقيراً وخرج منها فقيراً وقد شاهدنا ذلك عبر مسيرته التي يعرفها الجميع . كان صاحب الصوت “الحنين” ورب الطمبور المتميز فى عزفه وفي علاقته الوجدانية به وتفننه فى تزيين شكل وتصميم تلك الآلة الفولكلورية التي طورها وأضاف إليها من عنده تقنية العصر. وإن تجاهلته السودان حكومة وشعباً ( تهميشاً) فقد عرف فى بلاد أخرى( طيرها عجمي) وكتبت عنه الغارديان * اللندنية قبل عام مقالاً مطولاً (أدناه قد إقتبست منه جملة مفيدة ) موثقاً بالصور لفنان جميل تصحبه آلته الموسيقية الجميلة الطنبور. وصف بأنه طفرة مميزة فى عالم موسيقى الوتريات وتلك الآلة التي وصفوها بأنها حنينة وتتميز  على نغمة الجيتار بانها متفردة بذاتها  والأذن ترتاح لها  . للأسف لم يحظ هذا الفنان الراحل بالتكريم المناسب ولا الإعتناء بعلاجه وتوفير بيت ليسكنه وقد مر بظروف نفسية جداً معقدة جعلته يختفي لسنوات من الساحة الفنية ثم يعود، وأخيراً ظل يعاني باقي عمره من ضيق ذات اليد وعدم السكن الائق إضافة إلي المرض الذي لا يرحم وتكاليف علاجه خاصة السكري الذي يلازم المرء حتى سفره من الدنيا. لفتة بارعة كانت من نفر فليل من شباب السودان وكذلك  من المخجل الدولة كلها فى غياب يفوز بقصب السبق السيد السفير التركي الذي زار ابوعبيدة بمنزله مقدما ً الدعم المادي والمعنوي وامتد هذا الدعم إلي مشاركة ذلك السفير الإنساني مراسم دفن الجثمان ضارباً مثلا أعلى في المجاملة في زمن التهميش الذي شاهدنا فيه حتى عجز الفنانين زملائه من المشاركة في دفنه وكان الحضور منهم فقط أربعة. وصارت الساحة الفنية فى السودان أي كلام كما فى المثل ” هانت الزلابية حتى أكلها بنو وائل”! اللهم أجعل مرضه كفارة له من الذنوب واجعل قبره روضة من رياض الجنة والفردوس الأعلى مسكنه.
فى إحدى الجلسات التليفزيونية عن الراحل زيدان ابراهيم قال الشاعر تجاني حاج موسى “عندما نسمع أغنية ألفناها لا نركز فى محتوى كلماتها لأن الألحان هي التي تصور أمام عيوننا كل الوجوه والمناسبات التي جمعتنا سوياً” . لقد صدق تجاني وانا استمع لهذا الفنان الرائع فى بعض الأحيان تنقلني ربابته المميزة شكلاً ونغماً وتفاعل شخصه البسيط البريئ إلى وجوه و ربوع جداً حبيبة، بعيدة تفصلنا عنها اليوم مساحات شائعات من سهول ووديان وجبال شاهقات وبحور وجزر وبحيرات . نقلتني الليلة أنغامها (وهو غياب، تعطر روحه السماء)  إلى نسيم روض هناك أفتقده وإلى أيام تلك الحياة التى كانت مترفة بحب الوالدين ونعمة وجود جدتنا الصالحة  آمنة بنت عبدالله ومنزل الوالدين يكرمها ويوقرها فى كبرها بكل الحب والجيران الأحباب الطيبيين حولنا كانوا فرحة دنيانا التي لا تغيب شمسها وكانوا فوق قمة حدود الوصف أخص بالذكر منهم شيخ بلال والأسرة الجميلة حوله المعروفة بالكرم والشهامة ونكران الذات تمثلها داخل الدار العامرة زوجته السارة البشوشة  “السُرَّة” وجارتها شقيقتها  دار السلام التي كذلك كان بيتها ينداح بهجة ومحبة وسلاما وفطينة هناك “الساخرة” ، قلما تزورها الابتسامة ، دائماً ناقمة “رحمها الله”   وربها هو “الشيخ عبدالقادر” الذي تحلف به وتناديه مستنجدة وقت الضيق، هي شقيقة بلال وزوجها هو  الرباطابي الساخر أيضاً لكنه أكثر سخرية من سخريتها فى نمط حياته البسيطة وحديثه فى المجالس “يدعى ودبخيت “، كان عاقراً لكنه سليط اللسان ، لست أدري كيف حطت رحاله من أرض الرباطاب ليستقر عند تلك الأسرة الكريمة التى إعتنت به وأكرمته فى مرضه حتى وفاته عليه رحمة الله. كان يناديني وأنا طفل بالحكيم ولم يتركها حتى سفره من الدنيا وبالفعل لقد تم مراده وشاركت فى علاج مرض ألم به . كان حكيماً حاضر البديهة وفناناً تشكيلياً ينجر فقط بالقدوم الخشب صانعا منه اجمل انواع الكراسي ، ولا أنسي مع ذكر التشكيل الشاب المعلم المهندس التشكيلي محمد الشريفي، كم كان جزءاً  من الأسرة وقد شيد ورمم بيوتنا كلها وامتد خيره وفنون هندسته حتي في الشجرة الحماداب بالخرطوم . وتذكرت اصدقاءنا آل قدور الراقيين ومن زملاء الدراسة حسن عثمان حاج أحمد الجنتلمان والأستاذ عبدالعظيم الريح ودكان وديوسف وسوق بربر وحوش موقف تكسياته ( فى ركنه استراحة للسائقين مزودة بتليفون لتلقي الطلبات ) ومن الناحية الجنوبية شرقية مكتبة الحاج شبرين والسر بريمة  ومقاهي سوق بربر العديدة والحلواني وأخونا ابن خالتي علي احمد عبدالله وجواره الصائغ المتصوف حاج عوض المضوي وصحن فوله “المدنكل” الذي كان يحبه الاستاذ بابكر أحمد خلف الله. تذكرت محمود أبوالنجا التاجر المميز وقطب الوطني الاتحادي وشمس الدين أبوعمار  التاجر النظك المحترم صاحب المغلق الذي كان يكفي كل بربر وضواحيها بكل لوازم البناء، وعبدالباسط علي ضيف ( يشبه دكانه محل العدني بامدرمان) وبشرى النعيمة وأولاد العتالة وابوسبعة ويوسف علي ابشر  ودكان علي شبرين وقبالته حسن حاج علي وشقيقه سليمان وهناك حاج كراي وحسن البنا ( زبائنهما من الأعراب الرحل) ومطعم قاسم اليماني وعبدالقادر الفوال ” الفول المُصَلَّحْ ” ومقهى ودأبخف   ومطعم لندن المشهور بجودة الكمونية وصالون ميتو عبد الله نايم “الحلاق الراقي المهذب”  وبوستة بربر ( أول مكتب بريد يشيد فى السودان) كانت كالحبل السري (الذي يربط الجنين  بأمه ليتغذى )وهي تربط أبناء بربر مغتربين الداخل “فى الصعيد” والشرق والغرب و”السافل” بذويهم.  كانت بربر البندر كماً يسمونها مدينة راقية والحياة فيها آمنة مطمئنة متعة لساكنها أو عابر السبيل (أصحاب “الدَبْوكاَتِ” تزودهم بالماء فى طريقهم إلى مصر ) وسهلة كانت فى كل الأحوال والناس كلهم كانوا فى بحبوحة من العيش يمتلكون السيارات الخصوصية وفيها سينما وأندية ثقافية عديدة ورياضية وفيها جمال الخلق والخلق وحسن السلوك ، أنعمهم بها الله . رحم الله كل من سافر منهم وهم كثر  بل الأغلبية،  وإن كانت هي سنة الحياة فوالله نفتقدهم ونحن إليهم.  فيا رب تنعم عليهم بجنة الفردوس أهلنا من القدواب وبربر فى معينيفة وحوش مدثر والوهاهيب وآل راسخ والشوافعة وآل شبرين والعوضلاب وفى الشرفة هناك ونقزو التي كانت عشق وملهمة الراحل الفنان ودالسافل ، فيها أتذكر الكثيرين من الأقارب وعلى رأسهم عمنا ودأحمد حاج فضل الله  بما اكرمنا به بأريحية وفرح فى داره النظيفة وأنسه اللطيف. هكذا كان نمط الحياة فى مدن السودان لا فرق بينها فى بربر ولا بارا ولا دنقلا والفاشر او بورتسودان ومدني ( وطن واحد كان وسع كل الألوان والتوجهات السياسية والدينية )
 الخريف الواعد بالخير يتجدد موسم كل عام ومعه تتجدد عندنا  لواعج  نوستالجيا زمن جميل ، تسوقنا معه سحباً من الشوق تسابق الريح إلى تلك الديار ودويرات وشجيرات حولها فأخاطبها من هنا من على البعد وانا استحضرها أمامي :
عمي صباحاً ديار أمي وأبي والاوطان
 الطل ينعشك إن لم يك وابلاً يغشاك
والتدم ذكراك التي تزخر بها دنيانا
فهي زادنا وبهجة صدى السنين الحاكي
الأستاذ الموقر أبوعبيدة حسن: لقد تساقطت الخميس الماضي ( الثاني من شهر سبتمبر 2021 ) من أعلى حرازة دنيانا أوراقك عجلة مع بداية موسم تتساقط فيه أوراق الخريف، فسبقتها تاركاً خلفك الفانية العبوس بكل ما تعنيه هذه الكلمة. سيفتقدك من يعرفوك حقيقة ويحبونك ولا نملك سوي الدعاء لك جزاك الله أحسن الجزاء وأنت فى عليين كفر الله سيئاتك ورحمة الله الواسعة تغشاك وبركاته تعمك وانت فى روضة من رياض الجنة  “أعني يا رب قبرك” بإذن الله ونسيم الجنة اسال الله أن  يعطر به  أجواءك بطيب الجنان الأبدي. أسال الله أن يتقبلك قبولا حسناً ويغفر لك ، آمين. إنا لله وانا اليه راجعون
*Ostinato Records, a Grammy-nominated label based in New York and Bangkok, and known for an ability to source rare music from countries affected by war or natural disasters, tracked down Abu Obaida and released his music to the world.
Ruth Michaelson, the Guardian
Tue 18 Feb 2020 06.00 GMT
drabdelmoneim@gmail.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …

اترك تعليقاً