lualdengchol72@gmail.com
أبيي بين التاريخ والذاكرة الدولية (1–5) حين تُزيَّف الخرائط ويُستعاد التاريخ – قرار محكمة التحكيم الدائمة
بقلم: لوال كوال لوال
في 22 يوليو 2009م، ت
حوّلت قاعة محكمة التحكيم الدائمة (PCA) في لاهاي الهولندية إلى مسرح تُعاد فيه كتابة التاريخ ورسم الخرائط. لم يكن الأمر مجرّد نزاع حدودي بين طرفين، بل قضية تختصر قرنًا كاملًا من التوتر بين الشمال والجنوب، بين قبائل دينكا نقوك والمسيرية، وبين الخرائط الاستعمارية والذاكرة المحلية. القرار الصادر لم يكن خطًا على ورقة فحسب، بل مرآة تكشف تداخل القانون والسياسة والتاريخ، وتفضح كيف يمكن للخرائط أن تتحوّل إلى أدوات للسلطة أو إلى وسائط للعدالة والإنصاف. غالبًا ما يُنظر إلى القانون الدولي على أنه صلب ومحايد، يتعامل فقط مع الوثائق الرسمية والمعاهدات. لكن قرار لاهاي أثبت أن القانون يمكن أن يتحوّل إلى حارس للذاكرة وحافظ للهوية. فقد وثّق القرار أسماء عشائر دينكا نقوك التسع (أبيور، أشاك، أشوينق، أللي، أنيل، بونقو، ديل، مانيوار، مرينق) في وثيقة دولية محفوظة، لتصبح تلك الأسماء جزءًا من سجل عالمي لا يمكن إنكاره أو تجاوزه. هذا التوثيق لم يكن مجرد اعتراف إداري؛ بل حمل في طياته اعترافًا بذاكرةٍ جماعيةٍ حاولت القوى الاستعمارية طمسها أو إعادة تشكيلها. وهنا يتجاوز القانون دوره التقليدي كمجرد أداة حكم إلى دور المؤرّخ، يوثّق ما غاب أو غُيّب من السردية الوطنية ويضعه في ذاكرة المجتمع الدولي. إنّها لحظة نادرة التقى فيها القانون بالوجدان واحتضن التاريخ غير المكتوب في نصوص رسمية. ومع أن القانون حاول أن يحسم الجدل، إلا أنّ السياسة لم تتركه يمارس سلطته بهدوء. فبعد أن أعلن الطرفان السودانيان (الموتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان) في البداية قبولهما بالقرار، سرعان ما نشبت خلافات حادة حول تفسير الحدود وتطبيق النصوص. تحوّل النزاع من سؤال الاعتراف إلى سؤال التنفيذ. فهل يستطيع القانون أن يفرض إرادته على واقع يتشكّل بأيدي الساسة والمصالح المتقاطعة؟ هنا تظهر المعضلة الكبرى في علاقة القانون بالسياسة: النصوص واضحة، لكن الإرادة السياسية ضعيفة. ما لم يتحوّل الاعتراف القانوني إلى فعل سياسي، سيبقى القرار حبرًا على ورق. ويُذكّرنا هذا بمواقف دولية كثيرة حيث بقيت القرارات الأممية والاتفاقيات الدولية رهينة أروقة السياسة ولم تجد طريقها إلى الواقع. مهما تكن التعقيدات، فإن قرار لاهاي سيبقى شاهدًا للتاريخ. فهو أوّل وثيقة دولية تعترف بوجود دينكا نقوك وعشائرهم على هذه الأرض وتضع أسماءهم في أرشيف عالمي محفوظ. بهذا المعنى، لا يمكن للزمن أو الخطاب السياسي أن يمحو ما كُتب هناك، فقد صار تاريخًا عالميًا بعد أن كان ذاكرة محلية. هذا الاعتراف يكتسب قيمة رمزية عالية. فهو يُعيد الاعتبار لجماعة ظلّت لعقود موضوعًا للتجاذبات السياسية والخرائط الاستعمارية. وهو أيضًا رسالة إلى الأجيال القادمة بأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية بل ذاكرة حيّة للانتماء والهوية، وأنّ القوانين الدولية قد تصبح أحيانًا أقوى من محاولات النسيان السياسي. الخرائط ليست خطوطًا محايدة؛ إنها أدوات سلطة وسيطرة. منذ أن قررت الإدارة البريطانية عام 1905م نقل دينكا نقوك إداريًا من بحر الغزال إلى كردفان، تحوّلت الحدود إلى وسيلة لإعادة تشكيل الهوية وتقييد الذاكرة. أصبحت الخرائط سلاحًا بيد السياسة، وليست مجرد أداة لتبسيط الواقع. لكن ما فعله التحكيم الدولي عام 2009م كان أشبه بعملية ترميم تاريخي، إذ استعاد المعنى الأصلي للأرض وربطها بأصحابها التاريخيين. وهنا يظهر البعد الأخلاقي في القرارات القانونية الكبرى: فهي ليست مجرد نزاعات عقارية، بل معارك حول الهوية والانتماء والاعتراف. فالأرض في أبيي ليست رقعة جغرافية فحسب، بل هي ذاكرة أجيال وأرض مقدسة للعيش الآمن. الرهان الحقيقي لا يتوقف عند قرار لاهاي، بل يبدأ منه. التحدي يكمن في تحويل الاعتراف القانوني إلى واقع سياسي عادل ومستقر، يضمن الحقوق ويبني جسور التعايش بين المجتمعات المتجاورة. القرارات الدولية، مهما بلغت قوتها، تبقى حبرًا على ورق ما لم تتحوّل إلى ممارسة يومية تحمي الأرض وتكرّس التعايش. أبيي ليست مجرد نزاع حدودي، بل اختبار لقدرة القانون الدولي على أن يكون أداة لبناء السلام لا مجرد توثيق لصراع قديم. فالمطلوب هو حلول مبتكرة تتجاوز الخطوط على الورق إلى بناء مؤسسات محلية تشجّع المصالحة وتمنح المجتمعات الثقة بأن القانون يخدمهم لا يستخدم ضدهم. ما فعله التحكيم الدولي في 2009م هو أكثر من تقسيم للأرض؛ إنه إعادة كتابة للتاريخ بمداد جديد. الخرائط مهما كانت دقيقة لا تعيش إلا بذاكرة الشعوب التي تحتضنها، والاعتراف الدولي يظل ناقصًا إن لم يُترجم إلى مصالحة محلية تُعطي الأرض معناها الإنساني قبل السياسي. فالحدود يمكن أن تتحوّل إلى جسور، كما يمكن أن تكون جدرانًا؛ والقرار السياسي هو الذي يحدد اتجاهها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم