lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
حين يذكر الناس اسم دينكا نقوك، يتبادر إلى الأذهان فورًا اسم أبيي، تلك الأرض التي تحوّلت إلى رمز للنزاع، ولكنها في جوهرها رمز للهوية والذاكرة. هذه الأرض لم تكن مجرد مساحة جغرافية متنازع عليها، بل فضاءً يختزن قصص الأجداد، ويعيد تشكيل وجدان الأجيال الجديدة. والذاكرة هنا لم تُحفظ في الكتب وحدها، بل تناقلها الشيوخ والأمهات شفوياً جيلاً بعد جيل، من خلال السرد اليومي في المجالس والطقوس والاحتفالات، حتى أصبحت جزءًا من نسيج الحياة الاجتماعية. ومع قرار محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي عام 2009م، انتقلت هذه الرواية من فضاء الحكايات والأنساب إلى فضاء الوثائق الدولية المكتوبة، فخرجت من الإطار المحلي الضيق إلى نطاق عالمي يضفي عليها حصانة الاعتراف والتوثيق. منذ أن حُوّلت عشائر نقوك التسع من بحر الغزال إلى كردفان عام 1905م بقرار إداري بريطاني، ظل الشيوخ يروون للأبناء حكاية الرحيل، وأسماء العشائر، والعهود التي عقدها الزعيم كوال أروب مع سلطات الحكم الثنائي. كانت هذه الذاكرة تُروى في الساحات، في الأعراس، وفي مجالس “الدار”، لتصبح جزءًا من الهوية اليومية للناس. لم يكن السرد الشفوي مجرد ذكر للأحداث، بل كان عملية تربية للأجيال الجديدة على قيم الانتماء والصمود، وحفظ أسماء العشائر، وحكايات الترحال، والعهود، والمعارك، والصلح، والهجرات، والمياه، والأشجار، والمراعي. في كل كلمة يتداولها الشيوخ كان هناك معنى أعمق: أن الأرض هي هوية وليست مجرد خط على خريطة. قرار محكمة لاهاي لم يقتصر على تحديد الحدود، بل وثّق لأول مرة في وثيقة قانونية دولية أسماء العشائر التسع: أبيور، أشاك، أشوينق، ألاي، أنيل، بنقو، ديل، مانيوار، مرينق. بهذا التوثيق، لم تعد هذه الأسماء مجرد ميراث شفوي قابل للنسيان أو التحريف، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة العالم المحفوظة في أرشيف محكمة التحكيم الدائمة. للمرة الأولى تجد هذه الأسماء مكانًا ثابتًا في وثيقة قانونية دولية، وهذا التحول يحمل أبعادًا سياسية وثقافية ومعنوية في آن واحد؛ فهو اعتراف بوجود جماعة بشرية بتاريخها، وثقافتها، وتقاليدها، على أرض محددة، بعد أن كانت هذه الجماعة موضوعًا لتجاذبات سياسية وروايات متناقضة. المثير أن الرواية الشفوية لأبناء نقوك تطابقت بدرجة كبيرة مع ما وثقته المحكمة. هذا التلاقي يكشف أن الشعوب، مهما حاول الاستعمار أو السياسة طمس هويتها، تحتفظ بذاكرة صلبة لا تُمحى، وأن ذاكرة الجماعات المحلية يمكن أن تكون أصدق وأدق أحيانًا من الوثائق الرسمية. ولعل هذا يفسّر لماذا استطاعت محكمة التحكيم أن تجد في هذه الروايات الشفوية مصدرًا للمصداقية والدعم التاريخي، فجمعت بين الوثائق الاستعمارية القديمة، وشهادات الشيوخ، والخرائط، والبحوث الأكاديمية، لتخرج بقرار له أساس في كل من القانون والتاريخ. إن العشائر التسع لدينكا نقوك لم تعد اليوم مجرد أسماء يتداولها الشيوخ في المجالس الشعبية، بل صارت مسجلة في وثيقة دولية لا يمكن إنكارها. لقد اجتمع “الكلام” و”الكتابة” لأول مرة ليشكلا معًا حصنًا للهوية والذاكرة. هذه النقلة من الشفوي إلى المكتوب لا تعني فقط الانتقال من وسيط إلى آخر، بل تعني تحول الهوية المحلية إلى اعتراف عالمي، وتعني أن التاريخ الشفوي الذي ظل يعيش في صدور الناس صار اليوم جزءًا من الأرشيف الدولي، يخضع للبحث الأكاديمي، ويُستشهد به في النقاشات القانونية والسياسية. هذا التلاقي بين الروايتين – الشفوية والمكتوبة – يعيد الاعتبار للرواية المحلية ويجعلها مساوية في القيمة للوثيقة الدولية. فالتوثيق القانوني، في هذه الحالة، لم يُقصِ الذاكرة الشعبية، بل اعتمد عليها ودمجها في نصّه. وهكذا أصبحت المحكمة الدولية ليس فقط ساحة للفصل في النزاع، بل منبرًا لتثبيت هوية تاريخية وثقافية ظلت طويلة في الظل. وهذا يعكس بعدًا أخلاقيًا في العمل القانوني الدولي، حيث لم تقتصر المحكمة على مجرد خطوط الحدود، بل أولت اهتمامًا للناس الذين يعيشون على الأرض. إن إدخال أسماء العشائر التسع في وثيقة رسمية يعطي إحساسًا بالاعتراف والكرامة، لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤولية على المجتمع الدولي وعلى الدولة السودانية ودولة جنوب السودان – لاحقًا – في حماية هذه الحقوق وتحويل الاعتراف إلى سياسات وبرامج تنموية حقيقية تعزز استقرار المنطقة. لأن التوثيق وحده لا يكفي إذا لم يُترجم إلى واقع معيش يخفف من حدة النزاعات ويعطي الناس إحساسًا بالأمن والانتماء. فالأرض بالنسبة إلى المجتمعات المحلية ليست فقط إطارًا قانونيًا، بل هي مأوى الأرواح ومصدر الرزق وجذر الهوية. يمكن القول إن انتقال الرواية الشفوية إلى الوثيقة المكتوبة عبر قرار لاهاي يمثل لحظة تاريخية في علاقة القانون الدولي بالذاكرة المحلية. فالقانون هنا لم يأتِ ليطمس الذاكرة بل ليحميها ويمنحها اعترافًا عالميًا. ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر في المستقبل: كيف يمكن لهذه الذاكرة الموثقة أن تتحول إلى رافعة للتعايش والسلام بدلًا من أن تكون مجرد أداة في نزاعات جديدة؟ هنا يأتي دور المجتمعات المحلية والقيادات السياسية في تحويل هذا الاعتراف إلى مصالحة محلية، وإلى سياسات تنمية واستقرار، حتى تظل أبيي أرضًا جامعة للهوية بدل أن تكون ساحة للصراع. بهذه الصورة تصبح العشائر التسع أكثر من مجرد أسماء على وثيقة؛ إنها رمز لاستمرار هوية جماعية في وجه التحديات، وتجسيد للتلاقي بين عالمين: عالم الرواية الشفوية وعالم الوثائق الدولية. إنّ ما حدث في لاهاي ليس نهاية قصة أبيي بل بداية مرحلة جديدة من تاريخها، حيث يلتقي الماضي بالمستقبل، وتلتقي ذاكرة الأجداد بأرشيف القانون الدولي، في لحظة نادرة تجعل من هذه المنطقة الصغيرة رمزًا لصراع الهويات واعتراف القانون الدولي بها في آن واحد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم