أبيي بين التاريخ والذاكرة الدولية (3–5)

lualdengchol72@gmail.com
السياسة بعد القانون: لماذا لم يحسم قرار أبيي النزاع؟
بقلم: لوال كوال لوال
في يوليو 2009م، صفّق كثيرون لقرار محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي باعتباره نهاية حاسمة لنزاع أبيي الذي ظل يؤرّق السودان منذ عقود. فقد اعتُبر القرار خطوة تاريخية لأنه حدّد حدود المنطقة، وأعاد الاعتبار للتاريخ بإقراره رسميًا بأن هذه الأرض أرض دينكا نقوك التسع. بدا الأمر حينها وكأن الطريق قد فُتح نحو سلام دائم، وأن النزاع سيُطوى في صفحات الماضي. لكن بعد مرور أكثر من عقد على ذلك القرار، ما زال النزاع حيًا، والخرائط التي رسمتها المحكمة لم تتحول إلى استقرار على الأرض، ولا تزال أبيي تحتل موقعًا مركزيًا في الخلافات بين الشمال والجنوب. وهذا يطرح السؤال المحوري: لماذا لم يتحول ذلك القرار التاريخي إلى حل نهائي للنزاع؟ القانون الدولي وضع الأساس بوضوح، لكن السياسة رفضت البناء فوقه. الوثيقة التي قدّمتها المحكمة في لاهاي لم تكن مجرد خريطة أو حدود؛ كانت عقدًا أخلاقيًا وتاريخيًا يفترض أن تتعامل معه الأطراف بمسؤولية. غير أن الحكومتين – حكومة السودان آنذاك وحكومة جنوب السودان لاحقًا – تعاملتا مع القرار بانتقائية واضحة. فبينما أعلنتا القبول به رسميًا، ظل كل طرف يفسّره بما يخدم مصالحه السياسية والاستراتيجية. الحكومة السودانية ركّزت على حقوق المسيرية في الرعي الموسمي وحقهم في التصويت واعتبرت أن القرار لا يسحب تلك الحقوق، في حين رأت حكومة جنوب السودان ودينكا نقوك أن القرار منحهم اعترافًا تاريخيًا وسياديًا بأرضهم. وهكذا تحولت أبيي من نموذج محتمل للتسوية القانونية إلى مربع جديد من المساومة السياسية والمزايدات الخطابية. قرار المحكمة منح دينكا نقوك اعترافًا تاريخيًا وقانونيًا بأرضهم، لكنه في الوقت نفسه لم يغفل حقوق المسيرية في الرعي الموسمي، وهو حق متجذر في الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. هذا التوازن الدقيق الذي حاولت المحكمة تحقيقه – الجمع بين الاعتراف التاريخي وحقوق الاستخدام – تحوّل على الأرض إلى ساحة صراع حول أين يبدأ حق المسيرية وأين ينتهي حق دينكا نقوك. الصراع على الأرض لم يعد مجرد نزاع حدودي، بل أصبح سؤالًا عن الحقوق التاريخية والحقوق المكتسبة، وعن من يملك حق القرار في هذه المنطقة الحيوية التي تمثل نقطة التقاء بين الشمال والجنوب، وبين الرعي والزراعة، وبين تقاليد مختلفة ومصالح متقاطعة. وهنا تسللت السياسة لتزيد النار اشتعالًا بدل أن تطفئها، فأصبحت كل حادثة احتكاك أو نزوح أو موسم رعي مادة لتجاذبات جديدة. ضعف الإرادة الدولية كان عنصرًا حاسمًا في استمرار الأزمة. رغم أن محكمة التحكيم الدائمة أصدرت قرارًا ملزمًا وواضحًا، فإن غياب آلية دولية صارمة لتنفيذه ترك المجال مفتوحًا للتجاذبات والتفسيرات المختلفة. اكتفت القوى الدولية والإقليمية ببيانات دعم وتشجيع دون ممارسة ضغوط جدية أو تقديم ضمانات لتنفيذ القرار على الأرض. بل إن البعثات الأممية الموجودة في السودان وجنوب السودان تعاملت بحذر مفرط، ما جعل القرار يبدو وكأنه شأن داخلي رغم طابعه الدولي. في غياب مراقبة قوية أو خطة واضحة لتطبيق الحدود أو ضمان حقوق المجتمعات المحلية، بقي التنفيذ مرهونًا بميزان القوى على الأرض، الذي غالبًا ما يميل لصالح الطرف الأقوى في اللحظة الراهنة. التاريخ والسياسة استمرا في صراع لا ينتهي على هذه الرقعة الجغرافية. قرار لاهاي منح دينكا نقوك سندًا تاريخيًا وقانونيًا، لكنه لم يمنحهم سيادة كاملة ولا آليات تنفيذية لحماية تلك السيادة. في المقابل، المسيرية الذين اعتمدت حياتهم لعقود على الرعي الموسمي وجدوا أنفسهم أمام وثيقة قد تغيّر نمط حياتهم التقليدي. وبين هذا وذاك، وجدت الحكومة المركزية في الخرطوم فرصة لإبقاء الملف حيًا كورقة ضغط سياسية في مواجهة حكومة الجنوب، فيما اعتبرته جوبا ملفًا سياديًا يجب حسمه لصالحها. وهكذا أُعيد إنتاج النزاع بأشكال مختلفة رغم وضوح النصوص القانونية، لتثبت أبيي مجددًا أن القانون وحده غير كافٍ لحسم النزاعات العميقة ذات الجذور التاريخية والاجتماعية. هذه التجربة تكشف أن السياسة قد تُفرغ القانون من مضمونه إذا لم تُدعَم بإرادة صادقة وقوية. فالقانون الدولي مهما بلغ من الدقة والوضوح لا يتحول إلى واقع إلا إذا تبنته الأطراف المتنازعة بإرادة حقيقية، وتدخل المجتمع الدولي بضمانات ملموسة. ما حدث في أبيي يؤكد أن القرارات الدولية إذا تُركت بلا متابعة وآليات تنفيذية ستبقى في أفضل الأحوال وثائق مرجعية، وفي أسوئها وقودًا لصراعات جديدة. وهنا يظهر درسٌ عميق لكل النزاعات المماثلة في القارة الإفريقية والعالم: لا يكفي رسم الخطوط على الخرائط وإصدار الأحكام القضائية، بل يجب خلق بيئة سياسية ومؤسساتية تضمن أن تتحول تلك الأحكام إلى ممارسة يومية. لقد أثبتت تجربة أبيي أن النزاعات التاريخية ليست مجرد خلاف على موارد أو حدود، بل هي اختبار لهوية المجتمعات ومصيرها. وبقدر ما يمثّل قرار لاهاي سندًا تاريخيًا وقانونيًا لدينكا نقوك، فإنه أيضًا فرصة للمسيرية للحفاظ على نمط حياتهم في إطار قانوني منظّم يضمن حقوق الجميع. هذا ممكن فقط إذا توفرت إرادة سياسية شجاعة تتجاوز الحسابات الضيقة إلى أفق أوسع من المصالحة والتعايش. من دون ذلك ستظل أبيي بؤرة نزاع تتناقلها الأجيال، رغم أن القانون قد حسمها على الورق. وبينما تظل وثيقة لاهاي شاهدًا تاريخيًا لا يُمحى، فإن التحدي الأكبر يبقى في كيفية تحويل هذا الاعتراف إلى سلام دائم لا تعصف به المصالح المتقلبة. أبيي اليوم ليست مجرد منطقة حدودية بل مرآة لمعضلة أوسع: كيف يمكن للقانون الدولي أن يتعامل مع واقع سياسي هش؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يوازن بين احترام السيادة الوطنية وضمان تنفيذ القرارات الدولية؟ هذه الأسئلة تجعل من أبيي درسًا مهمًا في فشل أو نجاح أدوات القانون الدولي في إدارة النزاعات، وتجعل من تجربة دينكا نقوك والمسيرية نموذجًا معقدًا لتفاعل القانون مع السياسة والذاكرة المحلية. إنّ ما يحتاجه الناس في أبيي اليوم هو أكثر من قرارات دولية أو بيانات سياسية؛ يحتاجون إلى إطار مستدام يضمن الحقوق والكرامة والموارد ويحوّل التنافس إلى تعايش. وهذا لن يحدث إلا إذا تحوّل الاعتراف القانوني إلى برامج ملموسة، وبُذلت جهود للمصالحة المحلية، وشارك الأهالي أنفسهم في صنع مستقبل منطقتهم. حينها فقط يمكن أن يتحقق ما حلم به كثيرون عند صدور قرار لاهاي في 2009م، ويصبح القانون نواة سلام حقيقي لا مجرد وثيقة في الأرشيف الدولي.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …