الكاتب/ مصعب محجوب الماجدي
كان السودان “سلة غذاء العالم” بفضل رقعته الزراعية المليونية وموارده المائية الضخمة وزراعته المطرية التي تغطي أقاليم القضارف، سنار، كردفان ودارفور. لكن في 2026، انقلبت المعادلة تماماً.
أصبح السودان يستورد أكثر من 80% من قمحه، فضلاً عن زيوت الطعام والسكر والخضروات.
فكيف تحولت الحواشات التي كانت تطعم الإقليم إلى أراضٍ بور؟ وما هو أثر الحرب على القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه 70% من السودانيين؟
وفقاً لوزارة الإعلام السودانية، بلغت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في 1998 حوالي 16.9 مليون هكتار، أي 41.8 مليون فدان. منها 1.9 مليون هكتار أراضٍ مروية تتركز على ضفاف النيل والأنهار في الشمال، مع اتساع رقعة الزراعة المطرية التي تغطي كردفان ودارفور والقضارف.
هذه الرقعة جعلت السودان يلقب بـ”سلة غذاء العالم”. فإنتاج القمح والذرة والقطن والصمغ العربي كان يغطي الاستهلاك المحلي ويفيض للتصدير.
لكن مع اندلاع الحرب، انخفضت المساحات المزروعة إلى ما يقارب النصف. وتدنى إنتاج المحاصيل الرئيسية بنسب كارثية، فتبخر لقب “السلة” وتحول السودان لمستورد.
تأثر القطاع المروي: الموت بالعطش
كان القطاع المروي أكثر القطاعات تضرراً، خاصة في الموسم الشتوي الذي تعتمد عليه ولايتا نهر النيل والشمالية اعتماداً كاملاً.
مع انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وخروج المحطات التحويلية في سد مروي شمال البلاد عن الخدمة، تعطلت طلمبات الري على امتداد نهر عطبرة ونهر النيل. فهلكت محاصيل استراتيجية تقوم عليها الولايتان: الفول المصري، القمح، البصل، والتوابل بأنواعها. هذه المحاصيل كانت تغطي حاجة السوق المحلي وتفيض للتصدير، فأصبحت اليوم سبباً في فاتورة استيراد.
الخسارة لم تتوقف عند المحصول. يقول مزارعون إنهم فقدوا محاصيل بمبالغ طائلة، وأصبحوا عاجزين عن سداد التزاماتهم تجاه البنوك الممولة، مثل البنك الزراعي السوداني وبنك المزارع. اللذين يدعمانهما بالتقاوي والأسمدة، تحولا فجأة لجهتين مطالبتين بالسداد. فوجد المزارع نفسه بين “أرض بايرة” و “دين متراكم”، وخسائر فادحة جعلته وجهاً لوجه أمام شبح الإفلاس.
الطاقة الشمسية: هل ستكون حلاً؟
مع تفاقم أزمة الكهرباء، بحث المزارعون عن طوق نجاة فاتجهوا للطاقة الشمسية كبديل ينقذ ما يمكن إنقاذه. الفكرة نظرياً مثالية: شمس السودان الساطعة طول السنة يمكن أن تشغل الطلمبات بدون كهرباء سد مروي.
لكن الواقع كان صادماً. رغم إعفاء الدولة لمدخلات أنظمة الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية والضرائب، إلا أن غياب الرقابة على الأسواق فتح الباب لجشع التجار. استغل التجار الحوجة الماسة للمزارع ورفعوا الأسعار لأرقام فلكية.
فوجد المزارع نفسه أمام معادلة مستحيلة: أن يشتري منظومة طاقة شمسية بسعر منزل، أو يجهز أرضه ويشتري الأسمدة والتقاوي ويدفع للعمالة. الميزانية لا تسمح بتغطية الكلفتين.
فبقى الحل موجود… لكن ليس في متناول يد الجميع.
فتحولت الطاقة الشمسية من “أمل” لـ “رفاهية” لا بقدر عليها إلا كبار المنتجين.
الأثر البشري والنزوح: هجرة الخبرة
مع تزايد أعداد النازحين جراء الحرب، تعرض القطاع الزراعي في السودان لضربة بشرية قاسية. فقدت المشاريع الكبرى كمشروع الجزيرة والمناقل والسوكي والدالي والمزموم كوادرها الأساسية من مهندسين زراعيين ومزارعين وأيدٍ عاملة موسمية.
هذه المشاريع الضخمة تتميز بانخفاض كلفة الإنتاج، لأنها تعتمد على الري الانسيابي الذي يوفر تكلفة كبيرة مقارنة بالمشاريع التي تعتمد على الري المحوري أو طلمبات الديزل. لكن مع النزوح الجماعي، وجد العاملون في القطاع الزراعي أنفسهم مجبرين على مغادرة أماكن عملهم.
ولم تتوقف الخسارة عند الأجساد. ضاعت مع النزوح خبرة “الأب عن جد” في مواعيد الزراعة والري والحصاد. فأصبحت الحواشات بلا سواعد، والترع بلا مهندسين، والموسم بلا من يديره. فتحولت الأرض من منتجة إلى شاهدة على غياب من كان يفهم لغتها.
نتائج 2026: فاتورة الاستيراد تشتعل
انعكست آثار الحرب مباشرة على الأمن الغذائي. فوفقاً لإفادات مزارعين وتجار، ارتفعت فاتورة استيراد القمح بشكل كبير بعد أن كان السودان يغطي نسبة معتبرة من استهلاكه محلياً قبل الحرب.
وسجل إنتاج القمح عجزاً حاداً، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الدقيق والخبز إلى مستويات قياسية. وارتفع سعر رغيف الخبز إلى الضعف، كما تحولت محاصيل كانت تصدر كالبصل والفول إلى بنود استيراد تثقل كاهل المواطن.
وفي ظل الارتفاع المتزايد لسعر الصرف وارتفاع الدولار مقابل الجنيه، ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 50% مما كانت عليه.
من سلة غذاء إلى رهن الاستيراد
إن ما حدث للقطاع الزراعي في السودان لم يكن مجرد تراجع موسمي، بل انهيار في منظومة كاملة قامت عليها معيشة 70% من السودانيين. فتحولت الأرض التي كانت تطعم السكان إلى أراضٍ بور، وتحول المزارع من منتج إلى مدين، وتحولت الدولة من مصدر إلى مستورد يدفع بالعملة الصعبة.
توصيات عاجلة لإنقاذ الموسم القادم
إن إنقاذ القطاع الزراعي يتطلب تدخلات حكومية عاجلة قبل انطلاق الموسم الشتوي.
أولاً، تأمين إمداد كهربائي مستقر للقطاع المروي عبر خطوط إسعافية أو محطات طاقة شمسية مدعومة، فالري هو شريان الحياة.
ثانياً، إعادة جدولة ديون المزارعين المتعثرة لدى البنك الزراعي وإعفاء المتضررين من الفوائد، لأن المزارع المفلس لا يزرع.
ثالثاً، ضبط أسعار مدخلات الإنتاج من تقاوي وأسمدة ومحروقات، ومنع الاحتكار الذي حول الطاقة الشمسية لرفاهية.
رابعاً، إطلاق برنامج عاجل لإعادة النازحين من الكوادر الزراعية إلى مناطق الإنتاج مع حوافز تشجيعية.
وأخيراً، تفعيل دور الإرشاد الزراعي لتوعية المزارع بأساليب الري الحديثة وتقليل الفاقد. فكل موسم يضيع يقرب البلاد خطوات نحو مجاعة محققة.
إن استعادة لقب “سلة غذاء العالم” لا تحتاج إلى شعارات، بل تحتاج إلى قرارات عاجلة: تأمين الكهرباء للقطاع المروي، ضبط أسعار مدخلات الإنتاج، حماية المزارع من ديون البنوك، وإعادة النازحين إلى حواشاتهم. فبدون إنسان يعرف الأرض، وطلمبة تعمل في موعدها، وقناة ري لا تتعطل، سيبقى القمح حلماً نستورده بدل أن نزرعه.
فإما أن نعيد للحواشات سواعدها، أو نظل ندفع ثمن رغيفنا بالدولار.
مصعب محجوب الماجدي
(السودان)
musaabmajid79@gmail.com
