زرياب عوض الكريم
-1-
ثمة خطاب مُرتفع في قنوات السُلطة الداخلية والخارجية وجهازها الأيدلوجي (بما فيه شبكة الإعلام الخليجي المُمول قطرياً وسعودياً) ، يقف وراءه تحريض كوادر نظام الجبهة الإسلامية للقوميين الشماليين (INF). ونُخبته الأمنية السياسية الصحافية والأكاديمية.
النظام القمعي الدموي الذي ظلت نُخبته تتنقل أيدلوجياً في خطاباتها بدون عوائق أو صُعوبات ، منذ 1955 و 1998، بين الفاشية الدينية الإسلامية (كراهية غير المسلمين والتخويف منهم) والعُنصرية النازية (كراهية غير العرب الشماليين والتحريض ضدهم).
الخطاب السياسي – الإجتماعي المذكور ، الذي جعلت منه السُلطة مادةً لإنتاج وعي طبقي مُضاد للثورة والتغيير السياسي ، مُتعلق بحرب إبريل الأخيرة.
يُمكننا وصفه بأنه أيدلوجيا 15 إبريل (النازية) neo nazist ideology of april 2023.
-2-
هذا الخطاب (النازي) الذي يقوم على التحريض المُؤسسي والمُمنهج ، على كراهية تلك الإثنيات والمُجتمعات والطبقات الإجتماعية ، التي عبّرت الثورات المسلحة و تمرُد الجنود في 15 إبريل ، عن مظلوميتها التراكمية و التاريخية منذ (1898).
من خلال العمل (الحثيث) على عزلها إجتماعياً وعقابها جماعياً ، وتبرير جرائم الدولة والعُنف المُوجه سياسياً ، من خلال إطلاق يد الأجهزة القمعية والعُنف المُجتمعي والشعبي و(القَتلة الوحشيين) ضدها ، أو ما يُسمى (وباء العُنف المُجتمعي المُوجه) و (إرهاب الدولة) تحت التصوير أو في غيابه ، وتحميلها المسئولية والأثر النفسي ، عن هزيمة النظام (البائد) عسكرياً (2023) وسقوطه السياسي المُدوي في إنتفاضة الخُبز الأخيرة (2019).
-3-
هذا الخطاب (خطاب الحرب الثقافية النازي) ، ليس جديداً بالمرة ، فقد رافق إطلاق الجنرال الدموي إبراهيم عبود في 1958 لأكبر إبادة إثنية (تأسيسية) ضد الجنوبيين ، قبل أن يُعاود الجنرال البشير إستخدامه والإلتجاء إلى أدبياته وتكرار الإبادة ذاتها في إقليم دارفور غربي السُودان ، بعد صراعه مع أنتلجنتسيا إثنية الزغاوة في (1998-2003).
لكن تركة (الثقافة النازية) الحقيقية ، كانت مُرتبطة بالإبادة وموجة عُنف الدولة التي أطلقها الديكتاتور (الفاشي النموذجي) جعفر نميري ، في نهاية 1969-1970، ضد مُجتمعات الأنصار الذين ينحدرون من غرب السُودان وإستمرت وحشيتها المؤسسية حتى عام (1977). بما في ذلك قصف كيبوتزات (الجزيرة أبا) بطائرات الميج المصرية ، كما أحياءهم السكنية في امدرمان ومرافقها الإجتماعية ومنها المسجد والمدرسة القرآنية ، بالتدوين المِدفعي.
في الوقت ذاته الذي دخل فيه مُثقفي نميري ومساعديه (آنذاك) في مُساومة إجتماعية – تنموية مُنفصلة عام (1970) ، مع مُجتمعات أنصار (المهدوية الجديدة) الذين ينحدرون من شمال ووسط السُودان في مُديريات النيل الأبيض والجزيرة الحالية.
-4-
يستند هذا الخطاب النازي الجديد الذي إصطلحنا عليه (أيدلوجيا 15 إبريل 2023) إلى نفس تكنيكات الإبادة الجماعية والخطابات النازية ، في بولونيا وألمانيا ورومانيا سابقاً ، عن ضرورة مُلاحقة (المُتعاونين) و(الإثنيات المُتعاونة) و(الحواضِن الإجتماعية) للعدو و(اليهود) أو الأقلية النموذجية ، وإبادتهم (التخلُص من شرورهم).
بما ينفي التهديد الستراتيجي لأُمة (الجَلابة) المُتخيلة .. و(الخطر القادم من غرب السودان وجنوبه وما وراء الحدود) ، إلخ.
بما في ذلك إستعداء شُعوب دُول الجوار والتحريض على طرد المقيمين منهم وترحيلهم من المدن وملاحقتهم في الريف ، بوصفهم مُتآمرين في تفكيك إمبراطورية (الجلابة) المُتخيلة ، وماتبعه من حملة تنكيل بالإثيوبيين خاصة (الدول غير الحليفة في الحرب) والأجانب المُقيمين بصفة غير شرعية في زعم السُلطات إلخ.
الحقيقة أن القوميين الشماليين مُنذ (1938) ، تحديداً مُنذ عهد الجنرال عبود (1958) ، ظلوا يُصوبون في خطاباتهم المُتعدية ثقافياً والهُجومية على وجود القوميات الأُخرى الثقافي الإجتماعي والإقتصادي ، مزاعم تعهُد الحرب الإستباقية للقضاء على كُل الأقليات النموذجية المُنافِسة لهم ، تفكيكها ومنعها من التشكُل في جسد الدولة أصلاً abolition of model miniority State-hood.
ذلك رُغم أنهم أنفسهم أقلية نموذجية (فاشلة) وغير مُنتجة إقتصادياً، تمثل (3٪) من السكان وتسيطر على الوظائف الحكومية ومداخيل الإقتصادات الريعية مُنذ قرنين ونيف ، مثلت علاقتها بالإستعمار في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مُجدداً ، من خلال آلية مُكافحة التمرد ومساندة الإدارة الكولونيالية سياسياً ، عاملاً مهماً في تمكينهم من السُلطة ووراثتها داخلياً (أنساق التوريث السياسي).
راجع :
الكتاب الأسود , إختلال ميزان الثروة والسلطة في السُودان. (2003).
لكن هذه المرة ، التحريض السياسي ضد النازحين ، إلى مناطق سيطرة إنقلاب 25 أكتوبر 2021 ، اخذ تعبيراً ومنحىً مُختلف ، بوصفهم مهدد أمني إجتماعي وهوياتي ، فيما يشبه خطابات اليمين المتطرف في أوربا ضد سياسات الإتحاد الأوروبي ومبادئ حقوق الإنسان.
هُم أنفسهم النازحين من الريف إلى المدن المركزية بعد أن قامت حكومة نظام الجبهة الإسلامية بتدمير الإقتصادات الريفية التقليدية وإلغاء الأقاليم وحل المؤسسات الإقتصادية الزراعية الصناعية فيها من خلال لجنة تولت أمر مصادرتها وبيعها لمنسوبي النظام نفسه وزبائنيته.
هُم أيضاً النازحين -مُزدوجاً- من الريف إلى الخرطوم ، بسبب حُروب نظام الجبهة الإسلامية الثقافية المُمتدة لعقود ، ضد أقاليم الجنوب وفي دارفور التي تعرضت للتدمير الكُلي (عقاباً) على المُعارضة لتوجهات النظام – الفاشية العروبية- و -الشوفينية القبلية- آنذاك ، والتمرُد الإجتماعي على التوجهات السياسية الإستيطانية المصممة على توطين الأقليات العربية من دُول غرب أفريقيا بدلاً عن سُكان دارفور.
-5-
الهُجوم على نازحي مدرسة الدفاع الجوي في بورتسودان ، من قبل بعض فعاليات المُجتمعات المحلية لمكون البجا في المدينة ، الذين تقودهم نُخبة إجتماعية مُوالية للنظام الفاشي الإسلامي الذي بات مُتخندقاً إجتماعياً في عطبرة وشمال أم درمان (أحياء كرري) ، هو واحدة من الأحداث المدبرة من قبل فلول النظام السابق وأنصارهم في شرق السُودان ، الذين سبق لهم أن أغلقوا الميناء الوحيد عام (2020) ورفضوا التفاوض مع حكومة عبدالله حمدوك بحجة أنها قامت بتعيين – والي- من إثنية التقريت (البنى عامر) التي لا تنتمي إلى هُويتهم.
وقد واصلت أذرع النظام السابق إستخدم هؤلاء (الأعيان) لتأليب مكون البجا ضد القومية المدنية السودانية وضد السودانيين الآخرين الذين يعيشون معهم في نفس الإقليم.
حيث يعيش الإقليم حالة إنقسام إجتماعي فعلى منذ عام 2020 وحتي الآن ، واحدة من مظاهره العصيان المدني الدائم لمُكون البجا في كُل المؤسسات الحكومية الإقليمية مُنذ نحو سبعة سنوات.
وتوجسهم من وجود الإثنيات الوطنية الاخرى في الوظيفة البيروقراطية والعمل العام داخل الإقليم ، بما يصل إلى البعد والقطيعة النفسية مع القومية السودانية.
في حرب 15 إبريل ، نجح فلول النظام السابق في إستمالة جُزء كبير من أعيان مُجتمعات البجا ، في حربهم ضد قُوة الدعم السريع ومُحاصرة نفوذ ماتسمى (القوة المشتركة) ، بإعتبارها حرب إجتماعية مفتوحة ، ضد نفوذ نُخب غرب السودان الإجتماعية المُتنافسة فيما بينها ، لحرمانهم من الإستيلاء على السُلطة.
وهو نفسه السيناريو المُتكرر في عام 2004 ، حين هاجمت قوات التحالف مدينتي همشكوريب وطوكر إنطلاقا من الأراضي الإرترية.
هذا التكتيك الثقافي قائم على تعضيد (الهويات الفرعية) الإثنية ، والتحالُف معها / مع بعضها في الريف أو المناطق الحضرية ، لمُقاومة الوعي السياسي والتجنيد السياسي داخل شبكات المُجتمع المدني الواسعة للقومية المدنية (السودانية) ، ضد أنظمة القمع الشمالية المُتوالية.
بالتالي الحد مِن تأثير – القومية المدنية – الموروثة عن تركة الإستعمار ، في إحداث إنقلابٍ سياسي وعسكري. من خلال تمكين الإثنيات والقبائل من السيطرة على (الأقاليم) ، والتضييق على القاعدة الإجتماعية الشعبية لساكنة المُدن من النازحين والأقليات الهاربة من الريف ، من جبروت وطُغيان وإستعباد (مُلاك الأرض) بمن فيهم (رجال القبائل) وزُعماءها Tribes men، أو مَنظُومة الأعيانتاريا الحديثة الريفية والحضرية ، للقوى العاملة (القوات العاملة).
Northernwindpasserby94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم