أحمد طه والإسلاميين: اختفاء المذيع وظهور المفكر

كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

يتشكى بعض الإسلاميين بتبرم من ثقل حضور الصحفي أحمد طه في قناة الجزيرة مباشر. يقولون إنه يهيمن على الحوار، ويقاطع ضيوفه، بل ويذهبون لأبعد من ذلك باتهامه بأنه يتخذ مواقف تميل لطرف دون آخر، كأنه ناطق باسمهم. غير أن حلقته يوم 10 نوفمبر 2025م التي استضاف فيها الدكتور المحبوب عبد السلام ضمن ضيوف آخرين، قد دحضت تلك الاتهامات بشكل قاطع.
تُظهر الدراسات أن مهنية المذيع لا تنفصل عن طبيعة الخطاب الذي يُقدَّم أمامه؛ فكلما ارتفع مستوى الحوار واتسعت مساحته الفكرية، ازداد المذيع قدرة على الحياد وقلّ حضوره الانفعالي. وهذا ما حدث بالضيط مع المحبوب عبد السلام الذي أعطى البرنامج بُعداً آخراً مختلفاً.
فقد بدا واضحاً أثناء البرنامج كيف كان المذيع أحمد طه يصغي باهتمام متأمِّلٍ لمجمل طرح المحبوب. في تلك اللحظة، اختفى “المذيع المقاطع”، وحدث تناغم فريد بين الفكر والإعلام، بين الصوت والإنصات. فأدار النقاش بهدوء، محققاً الحد الأقصى من الحياد. فلم تحدث مناكفة من المذيع، ولا جعجعة من الضيف – على عادة الكثيرين ممن يُستضافون، حين يرددون عبارات توحي بتمكنهم من القضية مثل “دعني أكمل فكرتي”، في تكتيك يخفي انعدام المنطق وضعف الحجة.
غير أن المفارقة هنا لم تأتِ من تغيير أحمد طه لاستراتيجيته الإعلامية، بل من طبيعة الضيف وعمقه. وقد تجلى هذا من خلال أمرين رئيسيين:
أولاً: أن المحبوب قدّم نفسه بصفته مفكراً لا مدافعاً عن طرف سياسي، مما دفع طه لاستخدام أسئلة مفتوحة تستثير الفكر بدلاً من الأسئلة المغلقة التي تثير الجدل.
ثانياً: أن المحبوب انطلق من أرضية فكرية رحبة، متجاوزاً التصنيفات التنظيمية المعتادة – رغم كونه إسلامياً سابقاً بالتنظيم – فلم يعد الحوار معركة يحتاج فيها المذيع للتدخل كحكم، بل أصبح رحلة فكرية يصبح فيها المذيع دليلاً لا محاوراً.
والمفارقة الأخرى أن الموضوع المطروح لم يكن فكرياً صرفاً، بل تناول القضية الأكثر التهابا في السودان: الحرب والسلام. ومع ذلك، فإن الطريقة التي قدّم بها المحبوب أطروحاته أضفت على النقاش طابعاً تحليلياً عميقاً، مكّنت المذيع من أداء دوره المهني بأريحية تامة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن التزام الضيف بالهدوء والعمق قد ساعد المذيع على الإنصات، وخلق توازناً بين السؤال والفكرة.
لقد كان المحبوب كشأن المفكرين والاكاديميين يمضي في طرحه من القضايا الكبرى (Macro) إلى القضايا الصغرى (Micro)، ليسقطها على الحالة المعروضة أمامه، فظهرت صلابة الفكر وتجلّى عمق الأطروحة. وفتح بذلك أمام المشاهدين والمذيع على حد سواء أفقاً واسعاً لتأمّل طرحه، فلم يجد أحمد طه بُدّاً من الإنصات، كما لم يجد المشاهدون بُدّاً من الانغماس في عمق التحليل والتفكير.
خلاصة القول إن الحضور أمام الكاميرا يتطلب عدة فكرية قبل أن يكون استعداداً شكلياً بالبدلة الفاخرة وربطة العنق الأنيقة وصبغة الشعر التي تتلألأ مع إضاءة الاستديو.. فالكلمة الموزونة لا تُكتسب بالظهور، وإنما تُنتَج بتراكم المعرفة ورجاحة العقل. ومن يمتلك أدواته الفكرية، وحجته الواضحة، وبيانه المستقيم، لا يحتاج إلى ضجيج كي يُسمَع.
فحين يتحدث خفيفُ الوزن في السياسة، تتعقد مهمة المذيع وتزداد وطأة الحوار ويبرز ثقل حضور المذيع. والعكس تماماً حين يصعد أصحاب الفكر الثقيل، فيغدو المذيع كائناً لا تُحتمل خفته.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …