“أدوية لا تصل.. وحياة لا تعود: كيف تخنق الحروب السلاسل الدوائية العالمية”
الأزمات الدوائية في مناطق الحرب:
انهيار السلاسل وساعاتٌ تفصل المرضى عن الموت
كيف تتحول المستشفيات إلى ساحات معركة، وما السبل لإنقاذ حياة المدنيين؟
في ظل تصاعد النزاعات المسلحة عبر مناطق متعددة من العالم، تبرز الأزمة الدوائية كأحد أخطر التداعيات الإنسانية المباشرة، حيث يتحول النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية من مجرد مشكلة لوجستية إلى تهديد حقيقي للحياة. ومع دخول بعض النزاعات عامها الثالث أو الرابع، لم تعد الأزمة مسألة وقتية، بل باتت بنيوية تستدعي إعادة النظر في آليات الاستجابة الإنسانية وسلاسل التوريد الدوائية العالمية.
انهيار المنظومة الصحية: أرقام صادمة
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن السودان، بعد ثلاث سنوات من الحرب، يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم. فـ34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات، بينما 21 مليوناً محرومون من الخدمات الصحية. والأكثر إيلاماً أن 37% من المرافق الصحية في عموم البلاد خرجت عن الخدمة، مع توثيق 217 هجوماً على المنشآت الصحية أدت إلى مقتل أكثر من ألفي شخص وإصابة 810 آخرين منذ بداية النزاع في أبريل 2023.
وفي الشرق الأوسط، تفاقم التصعيد العسكري الأخير الأزمة الصحية عبر عدة دول. ففي لبنان، أغلقت 49 مركزاً للرعاية الصحية الأولية و5 مستشفيات إثر أوامر إخلاء عسكرية. أما في غزة، فلا تزال المستشفيات تعمل تحت ضغط لا يحتمل مع استمرار نقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود.
أما جنوب السودان، فلم يسلم من المأساة. فقد أدت التصعيدات الأخيرة في ولايتي جونقلي ووادي النيل إلى تدمير أو نهب 26 منشأة صحية، ما حرّم 1.35 مليون شخص من الوصول إلى الرعاية الصحية. وكأن هذا لم يكن كافياً، يتفشى وباء الكوليرا مسجلاً أكثر من 102 ألف إصابة و1662 حالة وفاة حتى مطلع أبريل الجاري.
تعطيل سلاسل التوريد الدوائية: عندما تتوقف الحياة عند الموانئ
لا تقتصر الأزمة على الدمار المادي للمنشآت الصحية، بل تمتد لتشمل انهيار السلاسل اللوجستية الدولية. فمع تصاعد الحرب في إيران والشرق الأوسط، تعطلت ممرات الشحن الحيوية. انخفضت حركة التجارة عبر مضيق هرمز بنسبة 90% عن مستويات ما قبل الحرب، بينما تراجعت سعة الشحن الجوي في منطقة الخليج بنسبة 79% بين 28 فبراير و3 مارس 2026، مما أدى إلى انخفاض 22% في السعة الجوية العالمية.
دبي، التي تعتبر محوراً مركزياً في شبكة الأدوية العالمية بسعة شحن جوي تصل إلى نحو 4 ملايين طن سنوياً، شهدت توقف عمليات منظمة الصحة العالمية اللوجستية فيها. وأفادت المنظمة بأن أكثر من 50 طلباً طارئاً للإمدادات الطبية مخصصة لـ25 دولة متضررة – بما في ذلك إمدادات بقيمة 6 ملايين دولار لغزة – عالقة بسبب قيود المجال الجوي.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الاضطرابات قد تؤثر على أسعار الأدوية عالمياً خلال 4 إلى 6 أسابيع، بسبب ارتفاع تكاليف الشحن الجوي، خاصة من الهند التي تعتبر من أكبر مصدري الأدوية في العالم.
ثلاث تحديات جوهرية تقتل المرضى بصمت
أولاً: سلاسل التبريد الهشة
الأدوية الحيوية مثل اللقاحات والأنسولين والعلاجات البيولوجية تتطلب حفظ درجات حرارة محددة تتراوح بين 2 و8 درجات مئوية. تعطل الشحن الجوي لأسبوع واحد يتطلب أسبوعاً ونصفاً لتعويضه، ما يزيد من مخاطر فساد هذه المستلزمات وتحولها إلى سموم قاتلة بدلاً من أن تكون أدوية منقذة.
ثانياً: النقص الحاد في التمويل
تبقى نداءات الطوارئ الصحية الإنسانية في منطقة شرق البحر المتوسط ناقصة التمويل بنسبة 70%. وهذه ليست مجرد أرقام، بل هي حياة 115 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، أي ما يقرب من نصف المحتاجين عالمياً.
ثالثاً: القيود على الوصول الإنساني
في جنوب السودان على سبيل المثال، تمنع السلطات المحلية الوصول إلى مناطق مثل نياتيم في مقاطعة نييرول، حيث يوجد نحو 30 ألف نازح دون ماء ولا دواء ولا غذاء. والأسوأ أن الاشتباكات الأخيرة في أكوبو أدت إلى مقتل عامل إغاثة من منظمة أطباء بلا حدود، وإعاقة توصيل المساعدات إلى آلاف المحتاجين.
حلول عاجلة: من التوصيات إلى التنفيذ
تتطلب الأزمة استجابة متعددة الأوجه لا تحتمل التأخير:
على المستوى الفوري
إعادة توجيه الشحنات الجوية عبر محاور بديلة خارج منطقة الخليج، مع تبسيط الإجراءات التنظيمية لتسريع استيراد الأدوية من مصادر بديلة. كما يتعين على الحكومات النظر في مرونة تنظيمية مؤقتة لتمديد صلاحيات المخزون وتنظيم التخصيصات، خاصة للدول الهشة التي لا تملك مخزوناً استراتيجياً يُذكر.
على المستوى التشغيلي
تعزيز آليات المساعدات النقدية متعددة الأغراض، التي أثبتت فعاليتها في أزمات مثل اليمن وغزة وأفغانستان، حيث تمكن المتضررين من تلبية احتياجاتهم الصحية مباشرة عبر الأسواق المحلية، بدلاً من انتظار شحنات قد لا تصل أبداً.
على المستوى البنيوي
هناك دعوات متزايدة لتأسيس آلية تنسيق دائمة ضمن مجموعة العشرين (G20) مخصصة لسلاسل التوريد الدوائية، تضمن رؤية فورية لنقاط الاختناق وتنسيقاً بين الشركات المصنعة والحكومات. كما يتعين تنويع المحاور الجغرافية للنقل الدوائي وتقصير السلاسل حيثما أمكن، لتجنب الاعتماد المفرط على ممرات محددة.
على المستوى القانوني والأمني
تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2286 الخاص بحماية الرعاية الصحية في النزاعات المسلحة، مع تعزيز المساءلة عن الهجمات على المنشآت الطبية، وضمان وصول آمن ومستدام للعاملين الإنسانيين. بدون أمن، لا وصول؛ بدون وصول، لا علاج؛ بدون علاج، موت محقق.
الخلاصة:
في مناطق الحرب، لم تعد الأزمة الدوائية تداعياً هامشياً، بل حكم إعدام جماعي ينفذ فى بطء اليم. صرّحت منظمة الصحة العالمية: “العاملون الصحيون بحاجة إلى أمان ودواء ومستلزمات طبية لينقذوا الأرواح”. لكن التحذيرات تتحطم على صخور لوجستية قاتلة. السؤال الآن ليس “متى سيتحرك العالم؟”، بل “كم ألف مريض سيموتون قبل أن تصلهم الجرعة الأولى؟”
د.عوض النقر بابكر محمد- السعودية- الرياض
966537626864
awadelnager@gmail.com
