عدنان زاهر
elsadati2008@gmail.com
1
الكتابة عن الملك الكوشي ( أركمانى ) تستدعي بالضرورة ذكرى البروف الفذ أسامة عبدالرحمن النور، صاحب القدرات البحثية الاكاديمية المتعددة العميقة، و الذى رحل مبكرا عن عالمنا . لا أريد ان اتناول سيرته الذاتية فهي مبذولة في وسائل التواصل الاجتماعي لمن يريد الاطلاع عليها. و لكن وفى اطار هذا المقال عن الملك أركمانى أو أرقمانى أريد التعرض لمواقف اسامة الصلدة و الجادة من خلال بحثه الدؤوب و العميق للكشف والتعريف بتاريخ السودان القديم الذي ظل مجهولا عمدا .
بالإضافة إلى كل ذلك للدكتور أسامة مواقف معروفة في اصراره الحفاظ و تسليط الضوء على ذلك التاريخ القديم، كشفه و تعميمه. كما له معارك مشهودة مع السلفيين الذين حاولوا و يحاولون حذف تاريخ ممالك كوش بل وتاريخ الممالك المسيحية في السودان مثل نوباتيا ، المقرة و مملكة علوة من التاريخ السوداني.
يتم ذلك بشتى الدواعي و الأسباب عرقية كانت أو دينية، و التي تمت تحت مسمى ( الخيار الحضاري ) و هم يقصدون التوجه العربي الإسلامي. بدأ ذلك النهج بحذف مادة التاريخ من مناهج التعليم، وطمس المعالم و الآثار التاريخية و تجاهلها و حتى إغراقها من خلال اقامة خزانات أو سدود مائية في أماكن تحتوى على آثار غنية و ذاخره عن تاريخ السودان.
أركمانى
لعل أفضل ما ابتدر به هذا المقال، إعطاء نبذة تعريفية و مختصرة عن الملك الكوشي أركمانى و لماذا أصدر د أسامة مجلة تحمل ذلك الاسم ؟! و هو يتناول فيها تاريخ ( كوش ) القديم.
الملك الكوشي ( أركمانى ) يعتبر من أهم ملوك كوش، حكم في القرن الثالث قبل الميلاد، و يحمل عصره و الفترة التي حكم فيها صفة ( عصر التنوير ) و اسم كوش هو اسم اطلقه المصريون والعبرانيون على تلك الممالك .
الجدير بالذكر في هذا السياق أن دولة كوش توسعت في عهد بعانخي و تهراقا حتى وصلت الى البحر الأبيض المتوسط و كانت تلك الفترة من العام 750 و حتى 664 و صارت دولة كوش و مصر دولة واحدة تحت حكم الفراعنة الكوشيون أو ( الفراعنة السود ) كما يطلق عليهم.
- أركمانى هو أول من وضع حدا لسيطرة الكهنة الكوشيون على الدولة، فقد درج أولئك الكهنة في التدخل في شئون الحكم مباشرة. و عند عدم الرضا عن الحاكم، كان الكهنة يأمرون الحاكم بالانتحار لأن الالهة غير راضية عنه . في العادة كان الملوك ينفذون فتوى أو أوامر الكهنة و ذلك خوفا من عدم رضاء الالة عنهم، و لم يشذ عن تنفيذ تلك القاعدة سوى الملك اركمانى. فعندما أمر من جانب الكهنة بالانتحار لعدم تعاونه مع الكهنة و لكى ترضى الالهة عنه ، قام بتسيير جيش ضخم و قام بقتل جميع الكهنة و هكذا تم الفصل بين السلطة الدينية و الدنيوية بإبعاد الكهنة بشكل تام.
- عند انتصاره على الكهنة عمل على إعلاء راية عبادة الاله ( أبا دماك ) اله الحرب، القوة و الخصوبة عند الكوشيين، ذلك التوجه الذكي من الملك أركمانى كان يعنى الانفكاك من عبادة ( آمون ) الذى ترجع جذوره إلى الثقافة الفرعونية المصرية. و بكلمات أخرى كان ذلك يعنى استقلال الثقافة السودانية عن الثقافة المصرية التي كانت مسيطرة في ذلك الوقت.
- قام الملك أركمانى بتحويل دفن الملوك من نبتة بجبل البركل و الذى يشرف عليه الكهنة الكوشيون الى مدينة مروى ، ذلك كان يعنى مزيدا من التخلص من سيطرة الكهنة و البعد من التأثير المصري المباشر. ذلك التغيير الذي قام به الملك الكوشي أركمانى، أدى إلى تحول تاريخي، سيأسى، ديني و ثقافي . فقد عمل على الاستقلال السياسي للسلطة من سيطرة الكهنة، كما عمل على استقلالها الاقتصادي بإعادة سيطرة الدولة على الضرائب، الجبايات و الغنائم التي كان يستولى عليها الكهنة، كما ان تحويل العاصمة الى مروى أدى الى السيطرة على أهم الطرق التجارية و الانتفاع بالحديد و استخدامه و الذى اشتهرت به منطقة مروى. بالإضافة الى كل ذلك فقد أدى نقل العاصمة الى مروى الى نهوض اللغة المروية لتسود بعد طغيان اللغة الهيروغليفية لعدة قرون . ذلك كان بداية العصر المروى الذى اتم تطوره الكنداكة ( امانى ريناس ) بعد ثلاث قرون. و في عهد هذه الكنداكة فقد اخذ فن العمارة يأخذ طابعا سودانيا خالصا بعد أن كان متأثرا بفن العمارة المصري.
2
الكنداكة أو الملكة الأم
Kandake
المرأة في عهد مملكة كوش احتلت مكانا مرموقا و متقدما في السلم الاجتماعي و كذلك في الهرم السلطوي، ذلك التبجيل للمرأة و الاحترام زاده اعتقاد راسخ أن الكنداكة هي ابنة الاله ( آمون ).
شاركت في الحكم مباشرة ، قادة الجيوش ثم عملت على تطوير الدول الكوشية كرمة، نبتة ( كريمة حاليا ) و مروى. من المهم هنا ان نذكر اسم اثنين من الكنداكات لعبن دورا محوريا في تطور الدولة الكوشية و هن أماني ريناس و أماني تاري.
الكنداكة ( أماني ريناس ) و كان يطلق عليها الملكة المحاربة أو الملكة ذات العين الواحدة لأنها فقدت احدى عينيها في احد المعارك. قادت الجيوش ضد امبراطور روما، و اجبرته على توقيع اتفاق عادل بالسلم ووقف الحرب بين الإمبراطورية الرومانية و دولة كوش.
أما الكنداكة ( أماني تاري ) فقد اتسم عهدها بالرخاء الاقتصادي و النهضة العمرانية، و ترميم المعابد و قد سميت فترة حكمها بعصر ( مروى الذهبي ).
3
أركمانى المجلة
التاريخ…القومية و الهوية
التاريخ المكتوب و المعبر عنه في الآثار المكتشفة أو الكتابات المروية التي تم فك شفرتها ليست مادة للثقافة العامة و التباهي الاستعراضي. كتب د أسامة ما معناه الآثار هي النص المادي للتاريخ، و هي التي تثبت الوجود الحضاري للسودانيين منذ آلاف السنين و تمنح الفرد اعتزازا بالهوية السودانية. ذلك الشموخ الحضاري، يتجسد في أهرامات مروى، معابد جبل البركل و مستوطنات كرمة.
الآثار تعمل على إزالة التبعية الثقافية كما أنها تحارب و تقف ضد المركزية الأوربية و النظرة الاستعلائية التي يرى مؤرخيها مثل ( لازلو تورك ) و ( ديرك ) ان الحضارة السودانية القديمة ما هي إلا تابع للحضارة الفرعونية المصرية.
الآثار هي من جانب آخر توحد الوجدان القومي و المرآة التي يرى فيها السودانيون حقيقتهم التاريخية و تعمل على صقل الهوية، خاصة أن كثير من الممارسات الثقافية في أرجاء متعددة في السودان لها جذور موغلة في القدم.
يطرح البروف أسامة من خلال مجلته أركمانى ( السودانوية ) كحل لمشاكل الهوية التي كانت و لا زالت السبب في التنافر و التشتت، السودانوية تعنى تجاوز الصراعات العرقية و الاعتراف بهوية تستوعب الجميع دون استعلاء.
عدنان زاهر
6 فبراير 2026
مراجع
- أعداد من مجلة أركمانى الإلكترونية Derek and Welsby The Kingdom Of Kush: The Napatan And Meroitic Empires
المؤرخ المجرى ( لازلو تورك ) و كتابه
The kingdom of Kush :
Handbook of the Napatan – Meroitic civilization
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم