أريفة الدولة

بقلم عمر العمر

الجدل السوداني المثار في شأن كُلف ترميم جسر الحلفاية واستئجار مقار وزارية يعكس زوايا من قضية حضرية تتجاوز ترييف المدينة إلى أريفة الدولة .يزيدها نتانة الاتجار بوقف ،هذا سلوك جارح ضد العرف والقانون ورمز سيادة الدولة والمرأة كمعيار حضري . هذه من مراكمة تتجاوز الفهم المتداول لترييف المجتمع بكل حمولاته الاجتماعية المعقدة . هي مقاربة تتخطى فروقات التمدين بين البداوة والحضر بكل تحاملها الطبقي المديني تجاه الريفيين إلى بنية ألدولة المتخلفة. فترييف العاصمة ينتجه عقل الدولة صاحب السياسات الخراب .فإن صحت المقولة للحرب فوائد فليكن إحداها تمدين الدولة وصولا إلى حضرنة العاصمة . لابد من عقلية متحررة من كل سلوكيات رجال ألدولة السابقة الراسفة في التخلف بغية بلوغ عاصمة حداثية. فلا ينبغي حصر الجدل في شأنهم داخل ثقافة الفساد فقط . المفكر السوري الراحل محمد شحرور يقيس الفارق بين القرية والمدينة بالبون بين القرار الأحادي و التفكير الجماعي ، أي بين الاستبداد و الديموقراطية .فالقمع يفرز ممارسات شوهاء بينما تنتج الحرية سياسات معافاة .الهجرة من القرى ألى المدينة لم تكن خيارا ريفيا بقدر ماهي رحلة قسرية أملتها ضرورات حياتيه بفعل سياسات الدولة الساذجة خارج إيقاع العصر .
علماء الاجتماع الحضري يعزون طوفان النزوح من القرى ألى المدن الكبرى ألى هزال عقل الدولة وانتاجها . كما في حال السودان يولّد هذا الداء المشحون بالارتجال و الفساد والعنف تتابع موجات الطرد القسري من الريف المُفقر لجهة العاصمة والمدن الكبيرة .تلك ظاهرة عربية حيث تتحكم الأنظمة الاستبدادية كما في القاهرة ودمشق . جميع النازحين يبحثون عن المتاح من خدمات التطبيب ، التعليم وفرص العمل .ذلك الطوفان غير المنظم أدى إلى ترهل العواصم اكتظاظا بالسكان . شبكات الخدمات الصدئة عجزت عن استيعاب الامواج المتلاحقة من كل صوب .الخرطوم مثل تلك العواصم تسورتها أحزمة البؤس متعددة الأسماء كالعشش ،مدن الصفيح ،العشوائيات وبؤر الفقر . الدولة الهزيلة المنهكة المفتَرَسة من قبل الباحثين عن الامتيازات والثراء تركت لهذا الطوفان البشري تدبير حياته .هكذا نهضت حواجز عازلة للاندماج بين القدامى والجدد. هناك نبتت أسواق الظل ذات نشاطات تجارية خاصة وأوكار للجريمة وأكداس للبطالة وبؤر للسخط الشعبي .
الخرطوم لم تفقد مثل مثيلاتها فقط إيقاعها الرشيق،بل تسللت إليها سلوكيات البداوة ومظاهرها.أكثر ما يتبدى ذلك في المظهر الخارجي منعكسا في الأزياء محال الوجبات وكيفية تقديمها و تناولها و حلقات المشروبات الساخنة . الدولة لم تكن عاحزة فقط عن احتواء ذلك التسلل تحت هزالها حتى طغى على المظهر العام . فأزمة الدولة في رأسها نفسها أذ هي موبؤة بالتريف من الداخل .ربما عبّر عن ذلك أحد رجال المراسم في القصر معروف بظرفه عند عتبة عهد الإنقاذ . هي طرفة تكتنز بشحم طبقي لكنها تفصح عن رؤية اجتماعية نافذة.فبعد تمكن ضباط انقلاب الانقاذ داخل القصر قال الرجل الظريف ؛زمن نميري كنا نعرف إلى من نشكو حينما نتظلم من أحد أعضاء مجلس الثورة. لكن مع البشير لا ندري إلى اين نذهب ! بالفعل ليس تحاملا فقد صعد هرم السلطة نفرٌ ليسوا على دربة بقدرات مقام رجل الدولة أو عليهم سمت من الوهج الاجتماعي المعاصر . لذلك جاء ما أسموه بالمشروع الحضاري معاكسا تماما لقبس الحضارة ومتخلفا عن إيقاع العصر . بثور التخلف الاجتماعي على الطرقات وداخل المؤسسات انتشرت أمكنة منصات الترويح ، الثقافة والتنوير . مما زاد الأزمة استفحالًا تفشي ثقافة الفساد تحت قمع لاسقف له وبلا قاع .
تحت كل هذه الأحمال من التخلف ومطرقات الأزمات اهترأ معدن الطبقة الوسطى داخل العاصمة ومظهرها ؛ هي القوى الفاعلة في المدائن وقاطرة الحياة الاجتماعية .لذلك تضافر البؤس مع سلوكيات الريف لتغلب الرثاثة على العاصمة .كذلك تعددت بؤر السخط من عمق المدينة وأحزمتها مما أدى إلى الانفجار المباغت على نحو استعصى على ماكينة القمع احتواءه . كل تلك التعقيدات المركبة ساهمت في اشتعال الحرب الكارثية . هي نتيجة تلقائية لترييف عقلية الدولة البائسة الفاسدة و استشراء سلوكيات الريف . كلاهما أريفة الدولة وسلوكيات الريف الغالبة تحالفا على تضييق مساحات التسامح على صعيد العمل العام بالتزامن مع تكثيف آليات العنف . ذلك ماحذر منه مبكرا المفكر الراحل عبد الخالق محجوب وأسماه(عنف البادية).المدينة فضاء مفتوح يستقبل كل القادمين بلا تمييز . غالبية مدننا لم تهضم مويجات النازحين اليها اذ احتفظت كل مجموعة بشرية بعصبيتها الريفية . الاحياء السكنية اتخذت اسماء قبلية كفريق الجعليين ،فريق الشايقية و فريق الجلابة في كثير من المدن السودانية. هذه النمطية العصبية الريفية طالت مغتربين في بعض المنافي .
ثمة فوارق بين سلوكيات الريف وأخلاقيات القرية . الثانية تفصح مديحا عن إرث نسجه مجتمع الرعي والزراعة . هو ارث أقرب إلى الفطرة . قوامه المروءة ، الشهامة ،الصدق والتكافل. أما سلوكيات الريف فهي العجز عن الاندماج داخل أُطر مجتمع المدينة المنضبط . هو مجتمع يشكل أطره بالوعي المكتسب والرغبة في ملاحقة العصر . ربما كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أشهر القادة العرب المنادين بالعودة إلى أخلاقيات القرية.لكنه في الواقع ركن إلى ذلك هربا من مواجهة حقيقتين .الأولى تمسك أهل الريف بالصدق مغالبة لواقع خارج يفتقد مقومات العصر نتيجة عجز الدولة . الثانية رحيل ريفيون للعيش في واقع أحط من قراهم على هامش القاهرة. هو حال السودانيين كذلك. الحرب دمرت الخرطوم حتى عادت قرية مشوهة خالية من مظاهر العاصمة ومن أخلاقيات القرية. لكن رجال القابضين على السلطة لايزالوا يتوغلون في ترييف الدولة لأنهم أُسارى عقلية ريفية موبؤة بالتخلف والفساد .فالجدل حول الجسر والمقار الوزارية وتعدي المرأة السيادية على المقنن والمألوف يعري ملمحا من بؤس عقلية قيادة الدولة وتمكن الأريفة منها .

نقلا عن العربي الجديد

aloomar@gmail.com

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

السودان وإيران في مرايا التاريخ

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة …