أزمة التلاميذ في مصر: أطفال خارج الصفوف: الوجه الخفي لمعاناة اللجوء السوداني

منتدى الإعلام السوداني: القاهرة، 2 مارس 2026، (سودان تربيون)- حين غادرت (أ.ع)، الأرملة السودانية (35 سنة)، بلادها تحت وقع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم تكن تطلب أكثر من أن ينجو أطفالها الثلاثة بأرواحهم وهي تختار الاحتماء بمصر.
غير أن الأمان الذي وجدته في القاهرة كان منقوصًا؛ فبعد ثلاث سنوات من اللجوء، وجدت نفسها عاجزة عن تأمين أبسط حقوقهم: التعليم. تقول الأم، التي تعمل في مهن شاقة ومتقطعة، إن أبناءها “كادوا ينسون القراءة والكتابة”، بعد أن ابتعدوا قسرًا عن مقاعد الدراسة، لتختصر قصتها مأساة آلاف الأسر السودانية اللاجئة في مصر.
ووصلت (أ.ع) إلى مصر في عام 2024، بعد ثمانية أشهر من اندلاع الحرب في السودان. في عامها الأول، اجتهدت بتوفيق أوضاع الإقامة والتسجيل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وقالت: لكن، مع دخول العامين التاليين، تضاعفت الأعباء المعيشية. ارتفع الإيجار، وتزايدت أسعار الكهرباء والغاز والغذاء والعلاج، اصبح دخلي المحدود بالكاد يكفي لتأمين السكن والطعام. ورغم عملها كمساعدة منزل، وبائعة في متجر، ثم عاملة في مصنع للملابس، لم تستطع سداد الرسوم الدراسية لأبنائها. وأضافت “اخترت أن يبقوا أحياء حتى لو كان ذلك بلا مدارس”.
ولا تختلف قصة محمد يحيى (47 عامًا)، الذي يعمل حارس أمن في (مدينة الشروق) براتب لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه مصري، كثيرًا عن قصة هذه الأم. فمع بداية كل عام دراسي، يواجه السؤال ذاته: من من أبنائي يمكنني تسجيله للدراسة؟ هذا العام، اختار يحيى تسجيل الابن الأكبر فقط للجلوس لامتحان الشهادة الثانوية، بينما بقي ثلاثة آخرون خارج التعليم للعام الثالث على التوالي، في مشهد يعكس حجم المأزق الذي تعيشه آلاف الأسر السودانية اللاجئة.
هذه الشهادات الفردية تكشف ملامح أزمة أوسع تفجّرت منذ صدور قرار في ديسمبر 2023 بوقف استيعاب الطلاب السودانيين في المدارس الحكومية المصرية. القرار، الذي أُعلن لأسباب تنظيمية، أغلق الباب أمام التعليم الحكومي منخفض التكلفة، وترك آلاف الأسر أمام بدائل محدودة ومكلفة.
من جهته يقول المعلم عثمان، الذي يعمل في إحدى المدارس العالمية بالقاهرة، إن القرار “حرم الفئة الأضعف اقتصاديا من أي فرصة حقيقية للتعليم الحكومي”، ودفع الأسر إلى خيارات مكلفة تشمل المدارس السودانية الخاصة أو المراكز المجتمعية أو المدارس العالمية. وبحسب إفادته، تبلغ الرسوم الدراسية في المراكز المدعومة من منظمات شريكة مع المفوضية السامية للاجئين نحو 8000 جنيه مصري للمرحلة الابتدائية، و10 آلاف للمرحلة المتوسطة، و12 ألفًا للمرحلة الثانوية، فيما ترتفع في المراكز المجتمعية الأخرى إلى ما بين 12 و15 ألف جنيه، وتكون أعلى في المدارس السودانية الخاصة.
ولا تقف المعاناة عند الرسوم، بل تمتد إلى تعقيد الإجراءات. عثمان سعد (51 عامًا)، أب لبنتين، يروي تجربة شاقة مع تسجيل ابنته الصغرى، شملت الدفع عبر منصات إلكترونية، وإجراءات المعادلة، والتنقل بين مدينة (العباسية) والعاصمة الإدارية، ثم التوثيق في السفارة السودانية والإدارة التعليمية المصرية. يقول إن كلفة التسجيل وحدها تجاوزت 12 ألف جنيه مصري، دون احتساب الجهد النفسي والوقت المهدور. “الإجراء مرهق للاجئ”، يضيف، “قد يُعاد الإجراء أكثر من مرة لأسباب بسيطة”.
بيئة غير مهيأة:
لكن الأزمة لا تتجسد فقط في عدم القدرة على الدفع، بل في نوعية التعليم ذاته. فبحسب معلمين وناشطين تربويين، تعمل نحو 90% من المدارس والمراكز التعليمية داخل شقق سكنية ضيقة، تفتقر معظمها للحد الأدنى من الاشتراطات التربوية. ففي كثير من الحالات، يجلس أكثر من ثلاثين طالبًا في غرفة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربعة، فيما تُستخدم مساحات غير مهيأة كفصول دراسية، ويضطر المعلمون إلى الجلوس في الممرات أو (البلكونات) لعدم توفر مكاتب لهم، ويستمر اليوم الدراسي لما يقارب ثماني ساعات دون أنشطة موازية أو دعم نفسي كافٍ.
وفي هذا المناخ بدأت تظهر مؤشرات مقلقة، من بينها التسرب المدرسي، وعمالة الأطفال، وفق ما يؤكده معلمون وقادة مجتمعيون في مناطق بالقاهرة .

وتشير دراسة أُجرتها مجموعة من المراكز المجتمعية في أكتوبر 2025 تحصلت عليها (سودان تريبيون ) أن نحو 90% من الأسر اللاجئة تعولها نساء، وأن أكثر من 5000 طفل سوداني خارج مقاعد الدراسة في القاهرة، من بينهم أكثر من ألف طفل في منطقتي (المعادي وحلوان) وحدهما. وفي المعادي وحدها، يوجد أكثر من 25 مدرسة وحضانة مجتمعية تضم ما يزيد على أربعة آلاف طالب وطالبة في مختلف المراحل، من بينهم 198 طفلة وطفل فاقدي الأبوين في (الفئة العمرية من 9 سنوات إلى 14 سنة).

وسط هذا الواقع، تحاول منظمات دولية سد جزء من الفجوة. وتوضح عفاف ميرغني أحمد من مركز التمييز والريادة المجتمعي بالعمرانية لـ (سودان تريبيون) أن منظمات، مثل هيئة الإغاثة الكاثوليكية (CRS)، وهيئة إنقاذ الطفولة، ومنظمة “ستار” تقدم تدريبًا للمعلمين، ودعمًا نفسيًا للطلاب، ومساهمات مالية محدودة للأسر، غير أنها تقر بأن هذه الجهود لا تواكب حجم الأزمة، خاصة مع استمرار ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة، وتزايد أعداد الأطفال المحتاجين للتعليم. وقالت: ساعدت المراكز المجتمعية الكثير من الطلاب وأسرهم لكن التعامل يكون مع المراكز المجتمعية، مثل المدارس وهذا تحد كبير لعمل المراكز.

ومن جهته، يرى الخبير التربوي أ. علي سعيد في تصريح لـ (لسودان تريبيون) أن ما يحدث اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره أزمة طارئة مرتبطة بالحرب فقط، بل امتداد لفشل تاريخي في إدارة ملف التعليم منذ استقلال السودان، “وتفاقم مع النزوح واللجوء” على حد قوله. ويشير إلى أن النظام التعليمي السوداني ظل قائمًا على تلقين المعرفة وحفظ النصوص، دون تنمية مهارات التفكير والتحليل والإبداع، ما جعل مخرجاته ضعيفة وقابلة للانهيار عند أول صدمة اجتماعية أو اقتصادية.
ويحذر سعيد من أن التعليم في سياق اللجوء تحوّل إلى “سلعة تجارية” تُقدَّم بجودة متدنية مقابل رسوم مرتفعة، في ظل غياب المعلم المؤهل والبيئة المدرسية السليمة والاستقرار الأسري. ويضيف أن هذا الواقع لا ينتج فقط طلابًا ضعيفي التحصيل، بل يخلق فراغًا نفسيًا واجتماعيًا واسعًا لدى الأطفال والشباب، يجعلهم عرضة للانحراف والانضمام إلى شبكات الجريمة المنظمة أو الوقوع في فخ الجماعات المتطرفة.
ويذهب الخبير التربوي إلى أن أخطر ما في الأزمة الحالية هو “حرق سنوات التعليم” لجيل كامل من الأطفال السودانيين، إذ يفقدون، ليس فقط حقهم في التعلم، بل ثقتهم في المدرسة كمؤسسة اجتماعية، وهو ما يصعب تعويضه لاحقًا حتى في حال عودتهم إلى السودان. ويؤكد أن المجتمعات التي تفقد أجيالًا من المتعلمين تحتاج لعقود طويلة لاستعادة توازنها الاقتصادي والاجتماعي.
وربط علي سعيد، بين عمل سابقًا له مع المفوضية السامية للاجئين، وبين أزمة التعليم الحالية وغياب الالتزام ببروتوكولات حماية اللاجئين، موضحًا أن مسؤولية المفوضية لا تقتصر على التسجيل وتقديم المساعدات الغذائية والصحية، بل تشمل بوضوح توفير التعليم، خاصة للأطفال والنساء، وضمان اندماجهم في أنظمة تعليمية مستقرة. واستشهد بتجربته في إدارة مخيم اللاجئين الصوماليين في اليمن بين عامي 1996 و2000، حيث كانت المفوضية تشرف على مدرستين داخل المخيم، إحداهما تعتمد المنهج الصومالي والأخرى عربية إسلامية بدعم دولة مانحة، مؤكدًا أن وجود تعليم منظم ومستقر كان عنصرًا أساسيًا في حماية الأطفال من الاستغلال والانحراف رغم قسوة ظروف المخيم.

كما تنتقد الأستاذة قمرية عمر من لجنة المعلمين في حديثها لـ (سودان تريبيون) غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى لتعليم اللاجئين السودانيين، معتبرة أن التعامل مع الملف يتم بمنطق “الحلول الاسعافية”، لا تعالج جذور المشكلة. وترى أن الحل لا يكمن فقط في فتح مدارس جديدة، بل في وضع سياسة تعليمية واضحة تراعي أوضاع اللاجئين الاقتصادية والنفسية، وتضمن جودة التعليم واستقراره القانوني.

وتؤكد قمرية أن البيئة المدرسية الحالية في كثير من المراكز لا تصلح للتربية السليمة، بسبب ضيق المباني وغياب الأنشطة اللاصفية وارتفاع كثافة الفصول، وهو ما يؤدي إلى توتر نفسي لدى الطلاب والمعلمين معًا. وتشدد على أن المدرسة في ظروف اللجوء يجب أن تكون مساحة أمان نفسي قبل أن تكون مكانًا لتلقي الدروس.

ويرى خبراء اجتماعيون أن استمرار حرمان الأطفال من التعليم سيقود إلى ما وصفوه بـ “جيل الظل”، وهو جيل بلا مهارات ولا شهادات ولا انتماء واضح، يعيش على هامش المجتمع، ويشكل عبئًا مستقبليًا على الدول المضيفة وعلى السودان عند عودتهم. ويشيرون إلى أن الاستثمار في التعليم اليوم أقل كلفة بكثير من معالجة نتائج الجهل والبطالة والانحراف في المستقبل.
كلفة اقتصادية عالية:
من جهته قال الصحفي عاصم إسماعيل لـ (سودان تريبيون) إن المدارس السودانية بمصر بها مغالاة بصورة كبيرة في رسوم المدارس؛ إذ لايمكن قبول الفرد الواحد مقابل 10 آلاف جنيه مصر، وهو مبلغ كبير جدا بالنسبة للأسر اللاجئة دون تدخل من السفارة السودانية أو الحكومة السودانية، وهي زيادة عبء على الأسر، وأضاف: ويزيد الأمر سواء الإجراءات والتصاديق دون دعمها، وترك الحبل للمدارس لتنظيم أمرها، وهي بدورها حملت العبء لأولياء الأمور في دفع نفقات الإجلاس، والكتب والدفاتر فضلا عن الرسوم الدراسية نفسها.
واعتبر اسماعيل هذا الأمر “قاصمة ظهر” لكثير من الأسر؛ إذ نأت بعض الأسر عن تعليم ابنائها خلال الثلاث أعوام الماضية وأثر ذلك كثيرا على اللاجئ السوداني، وأفرز عمالة الأطفال في مصر ممن يعملون في المصانع والمزارع والمقاهي وبالطرقات بسبب الأوضاع السيئة للجوء (الآباء يعملون في أعمال هامشية)، الأمر الذي أدى إلى مظاهر الفوضى.
وفي السياق، يقول المستشار الثقافي بسفارة السودان بالقاهرة، الدكتور عاصم أحمد حسن في تصريحات صحفية، إن عدد المدارس السودانية في مصر بلغ 145 مدرسة، وإن بعضها لم يُكمل إجراءات توفيق أوضاعه القانونية. وأوضح أن السلطات المصرية أغلقت مدارس في أسوان والإسكندرية ومدينة بدر لعدم استيفائها الاشتراطات القانونية، مؤكدًا أن نحو 25 ألف طالب وطالبة سيجلسون لامتحانات الشهادة السودانية هذا العام، وأن الامتحانات ستُعقد في موعدها المقرر في 13 أبريل المقبل، وأن مشكلات المدارس غير المرخصة لن تؤثر على سير الامتحانات.

وبين معاناة الأسر، وضغوط الرسوم والإجراءات، ورداءة البيئة التعليمية، وتحذيرات الخبراء من تداعيات اجتماعية خطيرة، ومواقف الجهات الرسمية التي تركز على الجوانب التنظيمية، تتكشف أزمة تعليم اللاجئين السودانيين في مصر بوصفها أزمة مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الإدارية والاقتصادية. ولم تعد القضية مقتصرة على رسوم مدرسية أو تراخيص قانونية، بل أصبحت مسألة مصير جيل كامل وجد نفسه عالقًا بين حرب لم يختارها، ومنفى لا يستطيع فيه أن يتعلم.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (سودان تربيون) لتعكس الأزمة العميقة التي حلت باللاجئين السودانيين في مصر، إذ تجلت في حرمان غالبية الأبناء من حقهم في مواصلة تعليمهم الذي انقطع بسبب الحرب. تشير المادة إلى أن أزمة التلاميذ اللاجئين تفجرت صدور قرار في ديسمبر 2023 أوقف استيعاب الطلاب السودانيين في المدارس الحكومية المصرية، فأغلق الباب أمام التعليم الحكومي منخفض التكلفة، وترك آلاف الأسر أمام بدائل محدودة ومكلفة. من جهة أخرى، يعاني التلاميذ من مستوى آخر في الأزمة، وهو أن نحو 90% من المدارس والمراكز التعليمية التي يرتادونها أقيمت داخل شقق سكنية ضيقة، تفتقر معظمها للحد الأدنى من الاشتراطات التربوية.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان.. اختفاء 6 صحفيين ومقتل 34 منذ بدء الحرب

منتدى الإعلام السوداني: يوسف عبد الله : القاهرة، 23 فبراير 2025 (غرفة الأخبار، منتدى الإعلام …