محمد عبدالله إبراهيم
Mohammedabdalluh2000@gmail.com
في الأزمنة السياسية المضطربة، لا تقاس خطورة الخطاب بما يحمله من دلالات فحسب، بل أيضاً بالموقع الذي يصدر عنه، وبالسلطة الرمزية التي تمنحه وزنه الحقيقي. فالكلمة التي تخرج من موقع رسمي حتى وإن نشرت على حساب شخصي في منصة رقمية لا تعود ملكاً لصاحبها وحده، بل تتحول بحكم السياق والوظيفة إلى امتداد لصوت الدولة نفسها، أو على الأقل لما يفهم دولياً بوصفه موقفاً رسمياً أو شبه رسمي.
من هذا المنطلق يلفت الانتباه ما نشر على حساب مستشار قائد الجيش، رئيس مجلس السيادة أمجد فريد، عبر منصة “X”، بشأن تفاصيل لقاءات رسمية مع شخصيات أمريكية خلال زيارة إلى الولايات المتحدة، وهو منشور يفتح من حيث المبدأ سؤالاً أوسع من تفاصيل الحدث، ويتجاوز الأشخاص إلى بنية العلاقة بين الدولة وخطابها العام في الفضاء الرقمي.
ولست هنا بصدد الخوض في تفاصيل الزيارة التي لا يبدو أنها تستهدف البحث عن حلول حقيقية او طرح مسارات جادة لوقف الحرب في السودان، بقدر ما تسعى إلى تسويق الجيش السوداني وقائده أمام الحكومة والدوائر الأمريكية، لا سيما في أعقاب تصنيف الإدارة الأمريكية لتنظيم الإخوان والحركة الإسلامية في السودان وواجهاتهما ضمن التنظيمات الإرهابية، وهي جهات تتهم بممارسة نفوذ واسع داخل المؤسسة العسكرية السودانية. كما لست بصدد استدعاء الجدل السياسي المرتبط بالشخص المعني “المستشار”، الذي ينظر إليه باعتباره أحد الوجوه التي انقلبت على شعارات ثورة ديسمبر، وأسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف مشروعها المدني من خلال تقاطعات معقدة مع بقايا النظام السابق وشبكات نفوذه شملت التخطيط وحياكة المؤامرات بالتنسيق مع أجهزة النظام والأذرع الأمنية التابعة للدولة العميقة، في مساع ممنهجة استهدفت تقويض الثورة وإجهاض أهدافها. فقد شغل الرجل موقعاً مهماً كمستشار سياسي لرئيس وزراء الحكومة الانتقالية الدكتور عبدالله حمدوك، في مرحلة كانت الثورة تواجه فيها حصاراً معقداً من بقايا النظام السابق وأجهزة الدولة العميقة وشبكات المصالح المتضررة من مسار الانتقال الديمقراطي، وكثيرون كانوا يعملون داخل مؤسسات الثورة نهاراً، ويتأمرون ضدها في الخفاء ليلاً بالتنسيق مع أجهزة الدولة العميقة، حتى انتهى الأمر إلى الانهيار الكبير الذي يعيشه السودان اليوم، بسبب حرب 15 أبريل التي كشفت حقيقة الاصطفافات وتمايز الولاءات الزائفة، وسقطت أقنعة كثيرة ظلت تتدثر بشعارات الثورة والمدنية والديمقراطية.
وعلى الرغم من محاولات تبرير مواقفهم الراهنة المتمثلة في الانحياز لأحد أطراف الحرب، فإن الواقع السياسي يكشف تناقضاتهم بوضوح، إذ لا يمكن لمن يؤمن فعلاً بمبادئ ثورة ديسمبر وينحاز بصدق لقضايا الشعب السوداني ومشروعه المدني الديمقراطي أن يصطف مع أي من أطراف الحرب، ولا سيما الجيش الذي ارتبط بالاستبداد وملاحقة المدنيين وتقييد المجال العام، فضلاً عن كونه طرفاً رئيسياً في اندلاع حرب 15 أبريل 2023، إلى جانب سلسلة الحروب التي أنهكت البلاد لعقود. والمؤسسة العسكرية السودانية لم تكن يوماً كياناً وطنياً محايداً، بل تشكلت تاريخياً ضمن بنية الأنظمة الشمولية التي تعاقبت على حكم البلاد لا سيما نظام الحركة الإسلامية الذي أعاد تشكيلها وفق تصورات أيديولوجية، وأعاد هندسة بنيتها القيادية على أساس الولاء لا الكفاءة المهنية، وتوجد شواهد عديدة تثبت ذلك، من بينها تصريحات وتسريبات لقيادات عليا في النظام نفسه، أشارت إلى عمق العلاقة بين التنظيم والمؤسسة العسكرية وسائر مؤسسات الدولة، وإلى مستويات متفاوتة من التأثير على القرار السيادي للدولة، وهي شواهد كافية بذاتها دون حاجة إلى كثير من التنظير أو الجدل.
في سياق التحليل الأوسع، لا يهدف هذا المقال إلى الوقوف عند الأشخاص بقدر ما يسعى إلى تفكيك إشكال أعمق يتعلق بطبيعة التداخل بين الموقع الرسمي والخطاب الشخصي، وهو ما يبرز إحدى إشكاليات الدولة الحديثة في الفضاء الرقمي، حيث تتداخل الأدوار وتتغير حدود التعبير والتمثيل، وفي هذا السياق يطرح سؤال جوهري .. “إلى أي مدى لا يزال ممكناً الفصل الصارم بين الذات الفردية والصفة العامة؟ أم أن هذا الفصل ذاته قد أصبح أكثر هشاشة في ظل تداخل المنصات الرقمية مع أدوات الدبلوماسية، وتحول الحسابات الشخصية لبعض الفاعلين إلى امتداد غير مباشر للخطاب المؤسسي للدولة، بما يحمله ذلك من تبعات على وحدة الرسالة الرسمية واتساقها؟”. سيما إن الدولة في أحد أبعادها الحديثة ليست مجرد مؤسسات أو جغرافيا أو أجهزة أعلام مرفوعة فوق المباني، بل هي نظام دقيق لإدارة الخطاب العام، خاصة فيما يتعلق “بما يقال وكيف يقال ومتى يقال ومن يقوله”، وهذه العناصر في مجملها تشكل جزءاً من “هيبة الدولة” بقدر ما تشكل أدواتها السياسية، وعليه فإن اللقاءات الرسمية خصوصاً في عواصم القرار الدولي، لا تعد تواصلاً عابراً أو مناسبة اجتماعية، بل تدخل ضمن شبكة معقدة من الرسائل والمصالح والتوازنات الدقيقة، وأحياناً ضمن تفاوض غير معلن. لذلك جرت الأعراف على أن ما ينشر بشأنها لا يترك للاجتهاد الفردي، بل يدار عبر قنوات مؤسسية مضبوطة ويصاغ ضمن خطاب رسمي محسوب ويزن الكلمة بميزان الدولة لا باندفاع الفرد بما يضمن وحدة الرسالة وتماسكها، والإشكال هنا لا يكمن في نشر مستشار البرهان لخبر اللقاء، بل في الانتقال من مستوى “الإخبار” إلى مستوى “التأويل السياسي”، ومن الوصف إلى صناعة الرواية. فالمنشور لم يكتف بالإشارة إلى انعقاد الاجتماعات، بل قدم تفسيراً لما دار فيها وتوصيفاً لأطراف النزاع واتهامات مباشرة لدول وجهات. وحين يتجاوز الخطاب حدود العرض إلى تقديم تفسيرات وتوصيفات لطبيعة العلاقات أو مواقف الأطراف، فإنه يغادر الحيز الإخباري إلى حيز التمثيل السياسي غير المباشر، وهنا يبرز سؤال جوهري “من يملك حق صياغة الرواية الرسمية للدولة؟ ومن فوض الحساب الشخصي ليحمل وزن الموقف السيادي؟
قد يقول قائل إن ما نشر جاء عبر حساب شخصي وبالتالي يندرج ضمن حرية التعبير. وهي حجة تبدو ظاهرياً مقبولة لكنها تتجاهل حقيقة مركزية في علم السياسة “كلما اقترب الفاعل من مركز القرار تآكلت الحدود الفاصلة بين الخاص والعام، وأصبح خطابه حتى في صورته الفردية، قابلاً للقراءة بوصفه مؤشراً على اتجاه الدولة أو على الأقل على جزء من خطابها غير المعلن. فالمستشار بحكم موقعه لا ينظر إليه كفرد عادي، بل كحامل محتمل لرؤية الدولة أو ناقل قريب من مطبخها السياسي. وفي هذا السياق، قد يتحول ما يقدم أحياناً بوصفه “رأياً” أو “تقديراً شخصياً” إلى رسالة سياسية غير مقصودة في الفضاء الدولي، ولا سيما عندما يعاد إنتاجه خارج سياقه في قالب خطاب تعبوي. وتظهر الممارسة الدبلوماسية أن الرسائل السياسية لا تقاس بمجرد نقل المعلومات أو التعبير الانفعالي، بل بمدى دقة صياغتها وقدرتها على إدارة التعقيدات والحفاظ على توازن المصالح وصون قنوات التواصل المفتوحة دون الانزلاق إلى خطاب قد يحد من فرص التفاهم أو يضيق مساحات الحركة السياسية، وفي المقابل فإن الخطاب التعبوي رغم قدرته على استقطاب التأييد الداخلي، قد ينعكس سلباً على صورة الموقف خارجياً ويخلق التباساً لدى الشركاء، وربما يمنح الخصوم فرصاً إضافية للتأويل والتشكيك.
والأصل في مثل هذه الحالات أن ينتظم الخطاب ضمن تسلسل مؤسسي واضح تدار بموجبه الرواية عبر القنوات الرسمية المختصة باعتبار أن إدارة المعلومة لم تعد وظيفة إجرائية أو تقنية فحسب، بل عنصراً بنيوياً في هندسة الدولة وأحد أدوات حماية تماسكها الداخلي وخطابها الخارجي، ومن هذا المنظور فان الإشكالية تتجاوز حدود منشور عابر أو تعليق فردي لتلامس في جوهرها مستوى الدولة وقدرتها على ضبط خطابها الاستراتيجي في سياق بالغ التعقيد. ففي الحروب المعقدة، كالتي يعيشها السودان، تتحول “السردية” إلى أداة مركزية في إدارة الصراع وتغدو امتداداً مباشراً للمجالين السياسي والعسكري على حد سواء، لا سيما ان الحروب الحديثة لم تعد تحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل باتت تدار أيضاً عبر التحكم في الروايات وصناعة الإدراك العام والتأثير في مواقف الفاعلين الدوليين، ومن ثم فإن أي انزلاق في الخطاب حتى وإن صدر من موقع رسمي عبر قناة شخصية، قد لا يقرأ كحادث معزول، بل كإشارة سياسية تحمل دلالات بما قد يربك الرسائل الرسمية ويخلق تناقضات في الموقف أو يضعف مكاسب سياسية وأمنية تم بناؤها عبر جهود طويلة وتكلفة عالية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تداخل غير محسوب بين الخطاب الفردي والموقع المؤسسي قد يؤدي إلى تشويش في الرسالة العامة أو خلق تناقضات في سردية الدولة أو فتح الباب أمام تأويلات متعددة تستغل في سياقات سياسية وإعلامية مختلفة، وفي المحصلة لا يتعلق الأمر بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بسؤال أوسع .. “كيف تدار الدولة في عصر المنصات المفتوحة؟ وأين ينتهي الرأي الشخصي ويبدأ الموقف العام؟ وما هي الحدود التي ينبغي رسمها بين حرية التعبير للمسؤول ومتطلبات الاتساق المؤسسي للدولة؟”. إن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، بل أيضاً بقدرتها على ضبط خطابها وتنظيم تعدد الأصوات الصادرة عنها وتحديد من يتحدث باسمها، وبأي لغة، وفي غياب هذا الضبط لا يقتصر الخلل في مضمون الخطاب وحده، بل يمتد إلى البنية المؤسسية ذاتها، حيث تتداخل الأدوار وتتحول المنصات الشخصية إلى فضاءات ملتبسة غير واضحة الحدود بين السياسة والانفعال، وبين الفردي والمؤسسي وبين الرأي والموقف وبين التعبير والتمثيل.
وفي المحصلة، تكشف هذه الممارسات عن قدر من الارتباك في إدارة الخطاب العام، حيث تتداخل الأدوار بين ما هو مؤسسي وما هو شخصي، بما ينعكس سلباً على تماسك الرواية الرسمية للدولة التي في الأصل فاقده للشرعية، وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم معاناة المدنيين، يبدو أن المشهد برمته ينزلق في بعض تجلياته إلى حالة من العبث السياسي، حيث تتقدم الحسابات الفردية والاصطفافات الضيقة على حساب الاعتبارات الوطنية العليا، وتستنزف فيها موارد ومؤسسات الدولة وخطابها العام في سياقات لا تراعي حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودانيون، وبينما يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر من دمه وأمنه ومستقبله في حرب لم تعد تحتمل مزيداً من إعادة الإنتاج خارج إطار المسؤولية الوطنية والالتزام الأخلاقي تجاه معاناته، وتظل الحاجة ملحة لإعادة ضبط البوصلة نحو ما يخدم وقف الحرب وحماية المدنيين بعيداً عن أي توظيف شخصي أو سياسي يفاقم من تعقيد المشهد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم