أزمة الوعي المركبة خلال الحرب

يعيش السودان أزمة وعي عميقة ومركبة في الوقت الحالي من عمر الحرب، وهي أزمة ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة تراكمات سياسية وثقافية واقتصادية امتدت لعقود طويلة. هذه الأزمة لم تنشأ بفعل ظرف طارئ، بل تشكلت ببطء، حتى أصبحت أشبه بمرض مزمن في جسد المجتمع، يعيق قدرته على التعافي أو التقدم.

لقد أدى الجهل السياسي والمعرفي، المتغذّي على ضعف التعليم وانحسار مصادر المعرفة الموضوعية، إلى إضعاف قدرة المواطن على التمييز بين المعلومة الصحيحة والدعاية الموجهة. في ظل غياب تعليم نقدي يعلّم الناس كيف يفكرون بدلاً من عن ماذا يفكرون، أصبح المجال العام ساحة مفتوحة للشعارات والانفعالات، أكثر منه فضاءً للحوار العقلاني والمساءلة.

أما السلوك الجمعي التقليدي، فقد ظل أسير ثقافة الانقياد وراء الزعامات، أو الخضوع للخطاب الديني المعبأ بالعاطفة والانتماء الضيق. هذه البنية الاجتماعية وفّرت بيئة مثالية لهيمنة الإعلام المحلي — الرسمي منه والشعبي — على تشكيل الرأي العام وتوجيهه حيث يشاء، مستغلاً نقاط ضعف الناس العاطفية والاجتماعية.

يزداد المشهد قتامة حين نضع في الاعتبار الفقر المدقع الذي يعيشه ملايين السودانيين. فحين تصبح لقمة العيش هي الشاغل الأكبر، ينكمش الأفق الفكري للناس، وتغيب القدرة على الانخراط في القضايا الوطنية الكبرى أو المطالبة بتغيير جذري. الفقر لا يسرق فقط الموارد، بل يسرق الزمن والطاقة الذهنية، فيجعل التفكير في المستقبل رفاهية غير متاحة.

لقد كرّست ثلاثون عاماً من حكم الإسلاميين خطاباً أيديولوجياً عروبياً–إسلاموياً، أقصى التنوع الثقافي والفكري، وعمّق الأمية السياسية والفكرية. هذا الخطاب لم يكن مجرد أداة دعاية، بل كان مشروعاً متكاملاً لتشكيل الهوية على أسس إقصائية، وتحديد إطار الوعي الجمعي بما يخدم السلطة. ومع سقوط النظام، لم تسقط معه أدواته بالكامل، بل تسللت إلى منصات جديدة يقودها ما يمكن تسميتهم بـ”اللايفاتية” والانصرافيين، الذين يقدمون خليطاً من الترفيه والمعلومات المغلوطة لجمهور يفتقر أدوات التحليل والنقد.

هكذا وُجدت الدعاية في بيئة خصبة: تغذيها الأمية، يكرسها الفقر، و يحميها الخطاب المؤدلج، فيما يعجز المجتمع عن تخيل أفق مختلف. والنتيجة هي دائرة مغلقة، ذاتية الاستمرار، لا تنكسر إلا بإحداث وعي جّمعي جديد، يعيد تعريف أولويات المجتمع، ويحرره من الاستهلاك العاطفي للخطاب الموجّه.

ولعل ما يثير الأسى أن أقل الأشخاص من حيث المقدرات المعرفية وامتلاك أدوات التحليل العلمي، صاروا اليوم الأكثر جرأة في انتقاد التيار المدني الديمقراطي الذي يدعو إلى وقف الحرب وإنهاء نزيف الدم. هذه المفارقة تعكس عمق الأزمة، حيث يتم تشويه المطالب العقلانية، وتقديم الخطاب العام للسلام وكأنه خيانة، بينما يُرفع شأن الخطابات الانفعالية التي تروّج لاستمرار الصراع، وكأن الحرب قدر لا مفر منه.

إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب مشروعاً فكرياً–اجتماعياً طويل النفس، يبدأ من التعليم والتثقيف، ويمر عبر الإعلام المستقل، ولا ينتهي إلا بتحرير العقل الجمعي من أسر الأيديولوجيا والتضليل. فالسودان، قبل أن يحتاج إلى إعادة الإعمار المادي، يحتاج إلى إعادة الإعمار العقلي.

د. سامر عوض حسين
samir.alawad@gmail.com

عن سامر عوض حسين

سامر عوض حسين

شاهد أيضاً

التهيئة النفسية للسلام

السلام ليس مجرد اتفاق سياسي أو هدنة مؤقتة تُوقّع بين أطراف متنازعة، بل هو حالة …