أسس التفكير كموضوع للفلسفة

كفلسفة وعلم وفن: إعادة بناء مفهوم الفلسفة

أسس التفكير كموضوع للفلسفة كفلسفة وعلم وفن: إعاده بناء مفهوم الفلسفة

د. صبري محمد خليل/
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم

sabri.m.khalil @gmail.com

تمهيد (ملخص الدراسة) : تهدف هذه الدراسة إلى إعادة تعريف مفهوم الفلسفة، إنطلاقًا من كونها أحد المجالات المعرفية الأساسية (إلى جانب الدين والعلم)،وأن العلاقة الصحيحة بينها علاقة تكامل وتحديد، وليست علاقة تناقض وإلغاء. و ان المشكلات الفلسفية هي محصلة تناول ذات المشكلات التي يطرحها الواقع، لكن على مستوى كلي مجرد (نظري)، أي من حيث الأصول الفكرية- الكلية- النظرية- لهذه المشكلات. ومن ثم فإن موضوع الفلسفة هو أسس التفكير. وبإعتبار شمول المجال الفلسفي، فإنه يقوم على ثلاثة مستويات رئيسية:
اولا: فلسفة الفلسفة: تشمل المسلمات الميتافيزيقية
(الغيبية) التي تستند إليها أسس التفكير.
ثانيا:علم الفلسفة: القوانين (السنن الإلهية) التي تحكم أسس التفكير.
ثالثا:فن”تكنيك” الفلسفة: تطبيقات وأساليب أسس التفكير.
……
المتن التفصيلى للدراسة:

أولًا: المجالات المعرفية الثلاثة (الدين – الفلسفة – العلم)

  1. الخصوصية
    النسبية: لكل مجال مشكلاته ” موضوعاتة”خاصة ،ومنهجه الخاص، لكنها خصوصية نسبية،لأن هذة المشاكل هى محصلة تناول ذات المشاكل التى يطرحها الواقع ، لكن طبقا لمستويات مختلفة، اى منظور اليها من زوايا مختلفة .
  2. مجال الفلسفة:
    مشكلاته (كالوجود، المعرفة، القيم…) هى محصلة تناول ذات المشاكل التى يطرحها الواقع ، لكن على مستوى (كلي” الوجود ككل” ، مجرد” نظرى”)، أي من حيث أصولها الفكرية” الكلية – المجردة” كما اشرنا .

3.مجال العلم: مشكلاته هى محصلة تناول ذات المشاكل التى يطرحها الواقع، لكن على مستوى جزئي” نوع معين من أنواع الوجود”، عيني” موجود فى مكان وزمان معينين”، ومنهجه” التجريبى، الاستقرائي” يقوم على:
١.الملاحظة: رصد حركة الظاهرة.
٢.الافتراض: افتراض قانون يضبط حركتها.
٣.التحقق: التحقق من صحه القانون فى الواقع.

  1. مجال الدين:
    يتناول الوجود المحدود ،من حيث علاقته بالوجود المطلق، الذى ينفرد به الله تعالى، ووسيلة معرفته الأساسية الوحي، وهو يحد وسائل المعرفه الاخرى” الحواس، العقل ، الحدس …” ولكنه لا تلغيه.
    ومنهجها يستند الى الإيمان: اى التسليم بصحه فكرة لا يمكن اثباتها تجريبيًا” لان موضوعها غير مادى او حسى”، لكن يمكن إثباتها بالاستدلال العقلى، قال تعالى: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) (البقرة: 242).

العلاقة بين الدين والفلسفة والعلم:

اولا : الدين: يفسر الوجود ماهويًا ، اى يجيب على السؤال ما هو الوجود؟( اى كيف بدأ الوجود، وكيف ينتهى، وما هى القوة التى اوجدتة).

ثانيا: العلم: يفسره كيفيًا اى يجيب على السؤال المتعلق بكيفية الوجود ( ماهى القوانين الموضوعية التى تضبط حركتة).

ثالثا: الفلسفة: تفسره لماذيًا، اى تجيب على السؤال لماذا الوجود، ( اى غايات الوجود الإنسانى الكلية- النظرية: كالحق والخير والجمال فى الفكر الفلسفى الغربى-،مع إضافة المقدس فى الفكر الفلسفى الدينى- ومنه الفكر الفلسفى الإسلامى-) .

العلاقة بين المجالات المعرفية:
هى علاقه تكامل وتحديد ، وليست علاقة إلغاء وتناقض.
فالدين يحدد الفلسفة، لأنها تنطلق من مسلمات ” ميتافيزيقية ” ، سابقة على عملية الإستدلال- التى هى مضمون التفكير العقلانى الفلسفى- لأنها مقصوره الإنتقال من مقدمه عقلية إلى نتيجه عقلية- استنادا إلى قانون عدم التناقض- وعقلانية المقدمة متصلة بشكلها ” صوريتها”، ولا صله لها بمضمونها- أو مصدرها- الذى قد يكون الحواس” كوسيلة لمعرفة الوجود الشهادى” ، أوالوحى” كوسيلة لمعرفة الوجودالغيبى”…
والفلسفة تحدد العلم، لأن لكل علم فلسفة ينطلق منها ، اى مفاهيم كليه مجردة يستند اليها، وهى سابقه على بحثه فى اى موضوع جزئي – عينى.

موضوع الفلسفة:
” اسس التفكير”:

الفلسفة تدرس الأصول الفكرية الكلية المجردة للمشكلات التى يطرحها الواقع، لذا فإن موضوعها هو أسس التفكير.

المستويات الثلاثة للفلسفة:

أولًا: فلسفة الفلسفة: (مسلمات التفكير)
تشمل:

1.أسبقية الإيمان بالغيب:كل تفكير فلسفي ينطلق من مسلمات غير قابلة للاختبار التجريبي كما اشرنا .

2.الوظيفة الروحية والقيمية الفلسفة: الفلسفه ليست منهجًا فقط، بل لها بعد قيمي ( الحكمة)، وقد أهملته بعض الفلسفات الغربية.

  1. تأصيل الفلسفة:
    ثلاثة مواقف:
    اولا : الجمود (أصالة بلا معاصرة).
    ثانيا: التغريب (معاصرة بلا أصالة)
    ثالثا:التجديد (جمع بينهما – الموقف الصحيح).
  2. خصائص القضايا الفلسفية:
    الكلية: تتناول الوجود ككل، فهى تصور كلى للوجود .
    التجريد: تتناول مفاهيم نظرية.
    وهما متحققان في مفهوم الأصول في الفكرالإسلامي( القاعدة الكلية النى تشمل جزئياتها)(الكفوي، الكليات، ج1، ص 188–189).

خصائص المنهج الفلسفي:
1.الشك المنهجي” معيار التحقق”التبين” الاسلامى: يقوم المنهج الفلسفى على السم النسبى بالمصطلح الفلسفى الغربى، وهو شك مؤقت ووسيلة إلى غاية، فهو وسيلة للوصول إلى اليقين، لا غاية فى ذاته. وهو لا يتعارض مع منهج المعرفة الاسلامى لان غايته واحده ” اليقين” ، لكن الاخير لا يحصر طرق الوصول إلى اليقين فيه، ونجد فى القران نموذج له ( فلما رأى القمر بإلغاء قال هذا ربى فلما افل قال لإن لم يهنى ربى لأكون من القوم الضالين…). وهو خلاف الشك المطلق ” المذهبى” الذى ينفى امكانيه الوصول الى اليقين، والنزعة القطعية التى تقوم على التسليم بصحة فكره ،بدون التحقق من صدقها، وكلاهما من خصائص التفكير الاسطورى، وتتناقض مع منهج المعرفه الا سلامى ” الذى عبر عن الأول بمصطلح الريب( افى قلوبهم مرض ام ارتابو) ، وعبر عن الثانيه بمصطلح “الحسبية”( قالو حسبنا ما وجدنا علية ابائنا) ومضمونه متحقق فى معيار التحقق ” التبين” الإسلامى، اى عدم قبول خبر قبل التحقق من صحته قال تعالى: (فتبينوا) (الحجرات: 6). يقول الكفوى( التبين: العلم بعد التامل)

2.العقلانية( العقلانية المؤمنة “المقيدة بالوحى “):
استخدام الإدراك المجرد كوسيلة لمعرفه المفاهيم النظرية، ومنهج المعرفه الايلامى لا يرفض العقلانيه ،فقد ورد فى القران ماده عقل وما اشتق منها تسعة وأربعون مره.. لكنه يدعو إلى نمط خاص من العقلانية، لا يتناقض مع الدين، ولا العام التجريبي، اى استخدام العقل والوحى والحواس كوسائل للمعرفه .

3.المنطقية:( التميبز بين علم وفن وفلسة المنطق والفلسفة الإسلامية للمنطق” المنطق التكوينى والمنطق التكليفى): التفكير الفلسفى يستند إلى المنطق بما هو القوانين التى تضبط التفكير . وقد حث عليه منهج المعرفة الاسلامى، كما أشار لبعض القوانين المنطقيه ،من باب الحث على التفكير المنطقي كقانون عدم التناقض( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ، وردفى تفسير البغوى( اى تفاوتا وتناقضا كثيرا).

موقف العلماء المسلمين من المنطق: لم يتفقوا على الرفض المطلق للمنطق، بل اتخذوا منه موقف تقويمى “نقدى”، يميز بين مجالاتة الثلاثة:
اولا :فلسفه المنطق: يرفض الفلسفة الأرسطية للمنطق، لاستنادها إلى مفاهيم مينافيزيقية، تعارض ثوابت الدين.
ثانيا: علم المنطق: يقر بالمنطق كعلم ” قوانين التفكير ” ،طبقا لمعايير السلامة المنطقية.
ثالثا: فن المنطق: الاخذ بأشكال التفكير الأرسطية، لكن مع اضافه أشكال أخرى.

  1. الموقف النقدي (معيار التقويم الإسلامى):
    الأخذ بالصواب ورفض الخطأ. وهو ما يقرره منهج المعرفه الاسلامى، فى القضايا الاجتهادية قال تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (الزمر: 18)، وقال (صلى الله عليه وسلم)( وطنو انفسكم إن احسن الناس ان تحسنو، وإن اساؤوا فلا تظالموا). وهو متحقق فى معيار التقويم الاسلامى، اى بيان قيمة الشئ وتصحيح ما اعوج منه( إن هذا القران يهدى للتى هى اقوم )

الحكمة كمفهوم إسلامي للفلسفة:

الحكمة نوعان:
١.تكوينية (الفلسفة): نشاط عقلي.
٢.تكليفية (الدين): وحي وضوابط مطلقة
العلاقة بينهما:

  • تمييز و ارتباط
  • تكامل لا تناقض

ثانيًا: علم الفلسفة (قوانين التفكير)
يشمل:

  1. الوظيفة المنهجية
    الفلسفة نشاط عقلي يهدف إلى:
  • معرفة الوجود و القيم.
  • حل المشكلات الكلية- المجردة.

2.القوانين الموضوعية (السنن الالهية) التى تضبط أسس التفكير،
ومن أهمها قوانين المنطق.

3.العلاقة مع العلم
علاقة الكلي بالجزئي
علاقة المجرد بالعيني (جدلية).

4.الفلسفة الإسلامية للعلم
تميّز – ولا تفصل- بين:
اولا : العلم التكويني (التجريبي)
ثانيا : العلم التكليفي (الدينى)

5.دلالة الفلسفة كعلم:

  • علم بالمعنى الواسع (معرفة)
  • منهجه استدلالي
  • أقرب للعلوم الإنسانية

ثالثًا: فن/تكنيك الفلسفة (تطبيقات التفكير)
يشمل:

  • تاريخ الفلسفة
  • المذاهب الفلسفية
  • القضايا الخلافية
  • تطبيقات الفلسفة
  • الوظائف التطبيقية للفلسفة (مثل العلاج بالفلسفة)

الطب المفاهيمي “الفلسفي”
تعريفه: هو طب مكمل للطب النفسي، وليس بديلاً عنه.
وظيفته : علاج الاضطرابات المفاهيمية- العقلانية المنطقية- من خلال:

  • تنمية التفكير المنطقي
  • تحقيق التوازن النفسي والعقلي. نتائجه:
  • تحسين القدرة على حل المشكلات.
  • تحقيق الصحة النفسية والعقلية بمفهومها الشامل.

علم النفس الفلسفي الإسلامي”الإستخلافى”:

  • يؤسس لوظيفة علاجية للفلسفة.
  • يرتبط بمفهوم الإستخلاف القرآنى الكلى، الذى يحدد العلاقة بين أطراف علاقة الإستخلاف الثلاثة:
  • المتسخلف- بكسر اللام- الله تعالى.
  • المستخلف- بفتح اللام- الانسان-
  • المستخلف فيه- الكون-
  • يهدف إلى تحقيق قيم روحية حث عليها المنظور القيمى والروحى الاسلامى ومنها:
    ١. الطمأنينة
    ٢. السكينة
    ( الا بذكر الله تطمئن القلوب)

التعريف الشامل للفلسفة:
الفلسفة هي علم وفن وفلسفة لأسس التفكير:

  • في مستواها الأول: تشمل مسلمات التفكير
  • في مستواها الثاني: تشمل قوانين التفكير
  • في مستواها الثالث: تشمل تطبيقات التفكير..

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

مفهومَا الحرب والسلام في الفكر الفلسفي والديني المقارن

مفهومَا الحرب والسلام في الفكر الفلسفي والديني المقارن د. صبري محمد خليلأستاذ فلسفة القيم الإسلامية …