أمريكا وما بعد سايكس–بيكو: تفكيك الدولة العربية وإعادة هندسة الإقليم (١-٢)

د. عمرو محمد عباس محجوب

دخلت الولايات المتحدة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مرحلة جديدة من التفكير الجيوسياسي تجاه الشرق الأوسط. لم تعد ترى في نموذج الدولة القومية المركزية — المنتج لاتفاقية سايكس–بيكو — إطارًا صالحًا لتحقيق مصالحها، بل تعتقد أن الدول العربية الكبيرة ذات المؤسسات الصلبة قد تُنتج مشاريع استقلالية تضر بالهيمنة الأميركية. وهكذا تحوّل الخطاب الإستراتيجي الأميركي من إدارة توازنات داخل دول مستقرة نسبيًا إلى هندسة إقليم يقوم على دول ضعيفة، مأزومة، أو مجزأة. هذه الرؤية تزامنت مع انكشاف البيئة العربية أمام نفوذ إسرائيلي متصاعد، وتحوّلت إلى برنامج عملي طُبّق في العراق وسوريا وليبيا ولبنان والسودان بأشكال مختلفة كمرحلة أولى.

تشكّل التفكير الأميركي في التسعينيات عبر نظريات “الشرق الأوسط الجديد” التي قدّمها برنارد لويس، وخرائط “حدود الدم” التي طرحها رالف بيترز، ورؤية الفوضى الخلّاقة التي عبّرت عنها كونداليزا رايس عام 2006.¹، عكس استراتيجيات كيسنجر ومن قبلهم. وقد اعتبر هذا التيار أن الدولة العربية المركزية أنتجت قوميات متمردة (القومية العربية، البعث، الناصرية والتنظيمات الإسلامية) وتهديدات أمنية (العراق، سوريا، ليبيا). ومن ثمّ، لا بد من الانتقال من إستراتيجية الاحتواء إلى إعادة تشكيل بنية الشرق الأوسط من الداخل. تقوم الفكرة على استبدال الدولة الوطنية بـ المكوّن المجتمعي (طائفة، إثنية، قبيلة)، بحيث يصبح كل مكوّن بحاجة إلى حماية خارجية، تعطي الولايات المتحدة القدرة على التحكم في التوازنات دون أن تتحمل مسؤولية بناء الدول.²

تُعرف الفوضى الخلّاقة بأنها “تفكيك النظام القديم لإنتاج نظام جديد أكثر قابلية للسيطرة”. وقد استُخدمت هذه الفكرة لوصف نتائج التدخل الأميركي في العراق، والضغط الاقتصادي–السياسي في لبنان وسوريا، والدعم غير المباشر للفوضى في ليبيا والسودان.³ اعتمدت واشنطن على ضرب المؤسسات الأكثر حساسية: الجيش، الأمن، البنك المركزي، الخدمة المدنية، والبنى التحتية. تجربة العراق بعد 2003 مثال النموذج الكامل: حل الجيش، سلطة الائتلاف المؤقتة، وتفريغ الدولة من كوادرها.⁴ والتحويل المتعمد للصراعات إلى شيعة–سنة، أكراد–عرب، مسلمين–مسيحيين يسمح بإضعاف مبدأ المواطنة وإعادة تعريف الولاءات السياسية باعتبارها ولاءات دون–دولتية.⁵

الجزء الاهم هو دعم الكيانات دون–الدولتية مثل قوات سوريا الديمقراطية، البشمركة، بعض المليشيات الجنوبية في اليمن، فصائل ليبية، وقوات الدعم السريع في السودان — كلها أمثلة على تفويض السلطة إلى أطراف محلية، بما يخلق دولة موازية.⁶ وكذلك استعمال العقوبات الاقتصادية كسلاح تفكيك بحيث أصبحت العقوبات جزءًا من “هندسة الدولة”، لأنها تُنهك قدرة الحكومة على تقديم الخدمات، فتدفع المجتمع نحو الاعتماد على جهات محلية أو خارجية.⁷ الغرض الأساسي من هذا هو إنتاج الفراغ الإستراتيجي، الفراغ الذي تخلقه الولايات المتحدة ليُملأ بقوى متعددة: تركيا، روسيا، إيران، الإمارات، إسرائيل، مما يجعل الدولة الممزقة ساحة تنافس لا تسمح بقيام سلطة مركزية.

نتناول تطبيقات التفكيك في خمس دول عربية واولها لبنان كدولة بلا احتكار للقوة عن طريق ضرب الاقتصاد والنظام السياسي فمنذ اغتيال رفيق الحريري، دعمت الولايات المتحدة عملية إعادة إنتاج النظام الطائفي مع تعطيل أي تسوية داخلية. انهيار القطاع المصرفي، وإبقاء الفراغ الرئاسي، جزء من خلق بيئة انهيار دائمة.⁸ واستغلال وجود حزب الله يجعل الدولة غير قادرة على احتكار القوة، لكن واشنطن تستخدم ذلك ذريعة لإبقاء لبنان تحت الضغط المالي والسياسي المستمر. والنتيجة لبنان اليوم اتحاد طوائفي هشّ يعتمد على الدعم الدولي والخليجي، غير قادر على إنتاج دولة مركزية.

وفي سوريا فان التقسيم الواقعي غير المعلن مقسمة فعليًا إلى مناطق نفوذ: منطقة كردية أميركية؛ منطقة تركية ؛منطقة للنظام تحت النفوذ الروسي–الإيراني وجيوب فصائل إرهابية أو معارضة. تسيطر أميركا على موارد النفط والقمح شرقي الفرات، وتمنع إعادة الإعمار قانونيًا عبر “قيصر”، لإبقاء النظام تحت الضغط دون إسقاطه.⁹ الأرجح أن تبقى سوريا دولة كونفدرالية ضعيفة أو تظل في مرحلة “اللاحل” لسنوات طويلة.

في العراق قدمت الفدرالية الطائفية بوصفها نموذجًا عن طريق حل الجيش والدولة، وإعادة تشكيل النظام على أسس طائفية وإثنية، أدّى إلى كسر العمود الفقري للدولة.¹⁰ وتعدد الجيوش
من الجيش، الحشد الشعبي، البشمركة — ثلاثة نماذج لقوة مسلحة تجعل الاحتكار الرسمي مستحيلًا. تريد الولايات المتحدة عراقًا لا ينتصر فيه أحد: لا إيران، ولا الوطنيون العراقيون، ولا المكوّن السني أو الكردي منفردًا.

ليبيا: الفوضى بوصفها إستراتيجية دائمة وذلك عن طريق اسقاط النظام عام 2011، لكن لم يُبنَ نموذج سياسي موحد لاحقًا، وترك الغرب البلد ساحة نفوذ لتركيا والإمارات ومصر وروسيا. وتم تقسيم البنك المركزي، ووجود خطين للنفط (الهلال النفطي شرقًا وغربًا)، حوّل ليبيا إلى ثلاث مناطق فعلية: برقة، طرابلس، فزان.¹¹ المستقبل المحتمل تقسيم ناعم أو “كونفدرالية اضطرارية” مع بقاء العاصمة تحت سيطرة مليشيات المدينة.

اعتبر السودان الدولة الكبيرة الممتدة، ذات الموارد الضخمة المختبر الأكبر لمشروع ما بعد الدولة عملت على تفكيك الجيش والدولة. فمنذ انفصال الجنوب، أصبح السودان مرشحًا لتفكيك أعمق: جيش ضعيف؛ قوات قبلية ومناطقية؛ اقتصاد منهار والدخول في صراع إقليمي على البحر الأحمر.¹² وجاءت التحركات عن طريق دور الأميركي الاسرائيلي –الإماراتي وتلتقي مصالح واشنطن بأبوظبي عن طريق منع قيام جيش وطني موحد؛ ودفع البلاد إلى نظام جهوي أو فدرالي موسع؛ دعم المليشيات عبر التمويل الإماراتي وتعطيل أي مشروع سياسي يعيد المركز الوطني. والوجهة هو تحويل السودان نحو تناثر جغرافي: شرق مستقل إداريًا، غرب مضطرب، مركز هشّ، شمال شبه منفصل اقتصاديًا.

ينظر صانع القرار الإسرائيلي إلى انهيار الدول العربية بوصفه مكسبًا إستراتيجيًا: عن طريق تدمير الجيوش التقليدية؛ إنهاء التهديد السوري–العراقي؛ ضرب المقاومة عبر تجفيف البيئة الإقليمية وفتح باب التطبيع بلا ثمن سياسي.¹³ تشارك إسرائيل في: ضربات جوية في سوريا؛ تعاون استخباراتي في العراق ؛دعم إماراتي–إسرائيلي في البحر الأحمر وهندسة علاقات اقتصادية تتجاوز الدولة كما في كردستان والعلاقات المباشرة مع مليشيات ووسطاء.¹⁴ لتحقيق الهدف النهائي عن شرق أوسط بلا دول قوية، بلا جيوش موحدة، وبلا قدرة على صنع قرار مستقل.

باختصار مستقبل دول ما بعد سايكس–بيكو تكون دول ضعيفة بلا احتكار للسلاح ضمن صيغ فدرالية وكونفدرالية ضمن حدود مرنة باعتماد دائم على الخارج والنزاع الدائم ليصبح بنية داخلية لا حالة استثنائية.

إن هندسة ما بعد سايكس–بيكو ليست مجرد أفكار نظرية بل برنامج تفكيك منظّم يهدف إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط. لكن نجاحه ليس مضمونًا، إذ تتصاعد القوى الإقليمية والدولية التي تتحدى الهيمنة الأميركية وتواجه إسرائيل، مما قد يفتح الباب لإعادة رسم خرائط القوى في اتجاهات معاكسة تمامًا.

الهوامش (Chicago Notes Style)
‏ 1. Bernard Lewis, The Middle East: A Brief History of the Last 2,000 Years (New York: Scribner, 1995).
‏ 2. Charles Tripp, The Power and the People: Paths of Resistance in the Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2016).
‏ 3. Condoleezza Rice, interview with The Washington Post, May 2006.
‏ 4. Ali A. Allawi, The Occupation of Iraq: Winning the War, Losing the Peace (New Haven: Yale University Press, 2007).
‏ 5. Fanar Haddad, Sectarianism in Iraq (London: Hurst, 2011).
‏ 6. Marina Ottaway, “The New Middle East,” Carnegie Endowment, 2013.
‏ 7. Nicholas Mulder, The Economic Weapon: The Rise of Sanctions as a Tool of Modern War (Yale University Press, 2022).
‏ 8. Fawwaz Traboulsi, A History of Modern Lebanon (London: Pluto Press, 2012).
‏ 9. Steven Heydemann, “Post-Conflict Reconstruction in Syria,” Brookings, 2018.
‏ 10. Toby Dodge, Iraq: From War to a New Authoritarianism (London: IISS/Routledge, 2013).
‏ 11. Wolfram Lacher, Libya’s Fragmentation (London: I.B. Tauris, 2020).
‏ 12. Alex de Waal, The Real Politics of the Horn of Africa (Cambridge: Polity, 2015).
‏ 13. Ian Lustick, Paradigm Lost: From Two-State Solution to One-State Reality (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2019).
‏ 14. Michael Oren, Power, Faith, and Fantasy: America in the Middle East (New York: Norton, 2007).

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …